src=' كتاب "بنية الألسن": اللّساني يتربّع فوق هرمٍ ثلاثي الأضلاع محمود عبد الغني - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الخميس، 15 ديسمبر، 2016

    كتاب "بنية الألسن": اللّساني يتربّع فوق هرمٍ ثلاثي الأضلاع محمود عبد الغني

    كتاب "بنية الألسن" للغوي الفرنسي، كلود هاجيج، (مواليد قرطاج، تونس، سنة 1936) نُقل إلى اللغة العربية، من طرف اللساني العربي، أحمد حاجي صفر، ونشرته
    "المنظمة العربية للترجمة". وهو دراسة علمية في موضوع بنية القول، التي لا تختلف من لسان إلى آخر، من حيث ضرورة وجود مكوّنين اثنين: الأول هو ما نقول عنه شيئا، والثاني هو ما نقوله. والدارس حين يتناول قضية اللّسان، لا يجد بُدًّا من تناول باقي الألسن. وقد تطرّق كلود هجيج إلى ضربين من وجهات النظر. فمن جهة هناك الترتيبية، وهي منهجية ترتّب الألسن وفق أصناف، تعمل على لغات مختلفة بطبيعة الحال. وهناك وجهة نظر الكونيات التي تبحث في السمات الخاصة بكلّ الألسن، المعروفة والمغمورة. وهما مشروعان لا يمكن البتة التوفيق بينهما، رغم ارتباطهما ببعضهما بعضاً، حسب هاجيج، فواحدهما سبق الآخر
    من أجل فهم تاريخي تعاقبي للتصنيفات اللسانية الحالية، كان لا بُدّ من العودة إلى التصنيفات السالفة. وبالعودة إليها كشف هاجيج عن أهم المحاولات المعروفة قبل القرن التاسع عشر. فالعصور القديمة ظلت "منطوية على نفسها في ما يتعلق بمعارف الإنسان"، رغم وجود توصيفات قيّمة في الأعراقية عند المؤرخين الإغريق والرومان. ممّا يدُلُّ دلالة ملموسة على هامشية تلك التصنيفات اللغوية، بحيث لم تولِ ألسنتها ما يكفي من الاهتمام.
     وفي القرون الوسطى ظلت تلك التصنيفات بعيدة عن درجة المشروع العلمي. أما الفضول الموسوعي لحقبة النهضة والعصر الكلاسيكي فإنه لم يتجاوز العلاقات بين الدول (أوروبا وحوض المتوسط)، أو اكتشاف الألسن (في أفريقيا وأميركا)، والبعثات (الشرق، الشرق الأقصى: ألسن آسيا).
    الألسن من حيث هي مادّة صوتية
    يدرس كلود هاجيج الألسن، بعد تناول الاهتمام بها من زاوية تاريخية، دراسة صوتية. فالصوتيات مفهوم "كلّي يشير إلى الأصوات بوصفها تميز الكلمات في لسان ما". فيتناول الصُّويْتات الفرنسية التي تتمتع بسمات مختلفة: الفموية، غير الأنفية، والبين- شفوية، والسني- شفوية، والمجهورة. فيقوم العالم، باعتبارها عناصر سديدة، بتنظيمها وتقطيعها على هيئة منظومات صوتية: صوامت، صوائت، ويشير هاجيج إلى أن الصوائت تمتلك سمات عروضية أكثر من الصوامت.
    ويستمر الباحث اللغوي في تقديم أمثلة ونماذج علمنية بحتة خاصة بالحقل اللغوي واللساني. فيتناول جدلية الاعتباطي والتعبيري باعتبارهما من أهم الخصائص الكونية للألسن. ثم ينتقل إلى الرمزية الصوتية والرمزية الصرفية، حيث درس مسألة اعتباطية العلامة، التي تعني عدم وجود أي علاقة تبرير بين الحقائق والأصوات التي ترمّزها. وفي النهاية يتساءل: ألا توجد رمزية في بعض الأصوات (الرمزية الصوتية) وفي تجمّعاتها ضمن صيغ (الرمزية الصرفية)؟
    فيما يخص الرمزية الصوتية يمكن تناول المحاكيات الصوتية الموجودة في كل الألسن. و"ما يختلف من لسان إلى آخر هو فقط عددها ومدى انتمائها إلى السجلّات المألوفة. ويتسم أحد أصنافها، وهو الصوت التصويري، بندرة الأصوات، النبرات، النغمات التي تكوّنه، أو بنُدرة التركيبات بين الأصوات الشائعة أيضاً، وهذه الظواهر الشكلية توافق الانطباعات الحسية أو الذهنية المحسوسة".
    أما الرمزية الصرفية فيقصد بها تلك الخصيصة الموجودة في الألسن، في تشكيلها وتجديدها بعض الأجزاء من مفرداتها بل وحتى من قواعدها، "بواسطة إجراءات شكلية ترتبط ارتباطًا تعليليًا مباشراً مع المعنى، لأنها بكل بساطة تُمثّله رمزياً؟".
    بنية القول
    ومن المصطلحات الكُبرى التي خصّص لها المؤلف فصلاً كاملاً مصطلح القول énoncé.
    فالقول هو "كل مُنتج لساني يقبله المتكلّم الأصلي على أنه تامّ، وفيه تنغيم عُرف أنّه مرتبط بهذه الواقعة". وتحتاج معرفة كيف ينتظم القول إلى التفريق بين ثلاث وجهات نظر. تتعلق الأولى بالقول ومنظومة اللّسان نفسها. وهنا تتدخل وظائف العناصر النحوية، وعلاماتها الصرفية.
    وتغطّي وجهة النظر الثانية العلاقة بين القول وما يتحدث عنه. هنا نحن أمام العالم الخارجي أو ما سمّاه هاجيج "ميدان المراجع". وهنا على اللّساني أن يُلقي السمع إلى علماء المنطق الذي يعتبرون أن تحت كل قول افتراضات، منها "المحلية"؛ المرتبطة بمساحات ثقافية - اجتماعية، والأخرى "عامّة" والتي يتّسمُ بها الناس جميعًا كمخلوقات ناطقة.
    ويتطرّق إلى علماء الاجتماع الذين يدرسون العلاقات الاجتماعية، والمقامات التي يُقامُ على أساسها التواصل، من أجل إنتاج المعنى. وأخيرًا إلى علماء النفس والمحللين النفسيين، الذين يهتمون باستثمار المعنى غير الواعي في القول. وهنا يقول هاجيج يظل اللّساني جالساً "على قمة هرم ذي ثلاثة أضلاع".
    ويستخلص في النهاية أن وجهات النظر تلك لا يمكن اعتبارها مُشتقّة من بعضها بعضاً، بل هي موضوعة على الخطّ نفسه، لأنها تتمتّع بالأهمية ذاتها، و"تُلقي كلُّ واحدة منها ضوءًا مختلفًا على الوقائع".

    يمكن اعتبار كتاب كلود هاجيج، المترجم اليوم إلى العربية (2016)، من أهم الكتب اللغوية التي عالجت مفهوم بنية القول، من زوايا نظر علمية وحضارية. وقد بذل في سبيل تزويد دراسته بأقصى درجات العلمية بمفاهيم ومصطلحية دقيقة، عاد من أجل تثبيتها إلى جذورها اللاتينية تسهيلاً لعملية نقل المعارف اللسانية الحديثة. كما أن ترجمة كتابه إلى اللغة العربية يطرح بقوة مسألة التفكير في "وضع معجم لاتيني عربي تقني، لتعميق نشر هذا الازدهار اللساني الذي بات الإنسان ومحيطه وكل ما يتعلق بهما جزءًا لا يتجزّأ منه" كما يشير مترجم الكتاب.
    عن ضفة ثالثة

    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: كتاب "بنية الألسن": اللّساني يتربّع فوق هرمٍ ثلاثي الأضلاع محمود عبد الغني Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top