src=' ورقة فى شق حائط قصة د.محمد عبدالحليم غنيم - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الأربعاء، 14 ديسمبر، 2016

    ورقة فى شق حائط قصة د.محمد عبدالحليم غنيم

    من دون الجميع أولانى ثقته .. لكن لماذا أنا بالذات ؟ .. أنا أرجع ذلك لسببين أولهما ما عرف عني بأني كتوم لا أكشف سراً . وثانيهما اعتقاده أنني أعرف فى مثل هذه الأمور
    أو بالأحرى خير من يعرف فى هذه الأمور . ونحن – المتعلمين- فى القري  يبالغ أهلنا فى احترامنا وتقديرنا ، لذلك ندهش عندما نري أهل المدينة بأحذيتهم اللامعة وذقونهم الحليقة الناعمة يعاملوننا بنفس قسوة وسائل المواصلات عندهم . قال وقد بدا أنه يخفى فى صدره أمراً عظيماً :
    - كنت أخشي ألا أجدك .. أحملها فى طيات ملابسي منذ أكثر من شهرين .
     كان مضطرباً ، شاحب الوجه أشرت عليه أن يجلس ، عيناه الغائرتان فى محجريهما بدا بياضهما شديد الصفرة . جلس بجواري خلف المنضدة الطويلة أزحت كتاباً كنت أقرأ فيه بعيداً ، تطلع إلي الباب ، فقمت وأغلقته ثم عدت إلي مكاني لأجده وقد فرد أمامي ورقة متسخة مكتوبة بخط  ردئ ، أرجل طيور مختلفة الأشكال والأحجام ، أو كتابة فرعونية رديئة لتلميذ مصري قديم خائب .. أيقنت من البدء أنني لن أستطيع قراءتها .. الورقة لا تتعدى مساحتها  نصف ورقة فولسكاب ، ليس بها مكان خال من الكتابة ، لون الحبر فيها أزرق غامق يوحي بالكآبة ، وتكاد تكون خالية من الإعجام وعلامات الترقيم ، آثار طيها تؤكد أنها كتبت منذ فترة طويلة .
    - لقد وجدتها فى شق الحائط مطبقة هكذا .
    وكان قد أعاد طيها كما وجدها ، تناولتها من يده وبدأت أفردها أمامي من جديد .. بدت لي طلسماً مغلقاً     قلت :
    - هل تعتقد فى مثل هذه الأشياء؟
      بدا أنه لم يستمع لسؤالي فلم أسمع منه إجابة ، بيد أنه قال :
    - ذهبت إلي الشيخ " سيد " وقال لي بللها فى الماء .
    أطرقت قليلاً ، وعرفت أنه لم يكن لسؤالي معني ، ثم قلت :
    - ولماذا لم تفعل ؟
    - قلت آتي إليك أولاً .. أنت متعلم .
    حدقت فى الورقة دون تعليق أستطيع الآن أن أتبين بعض الحروف والكلمات غير أنني لم أستطع قراءة سطر واحد بأكمله ، لاحظ اليأس فى عيني فقال يستحثني :
    - لم أنم منذ شهرين .
    ملت إلي تصديقه ، خاصة وهالتان سوداوان قاتمتان تحيطان بعينيه وقد رأيت أن شيئا واحداً  هو كل ما يريده  أن يطمئن .. لكن   لماذا أنا بالذات من دون أهل القرية ؟
    أحاطنا مد طويل من الصمت . وأخيراً وبعد جهد جهيد قرأت " بسم الله ألله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله ولا إله إلا الله " ثم توقفت أو بالضبط لم أستطع أن أكمل ، وكان وجهه قد امتقع ، وبدا لي أكثر اصفراراً مما توقعت لذلك تحاشيت النظر إلي عينيه  ، وعلي الفور خطرت لي فكرة .. قلت :
    - إن العمل لا يبدأ بالبسملة ..هذا حجاب ، انظر .
    وأشرت إلي نهاية الورقة وأنا أقول : اقرأ . الحمد لله رب العالمين . أمين وكنت أعرف أنه يفك الخط ، ردد معي ما قلته ، وقد بدا عليه الارتياح غير أنى شعرت بغصة فى حلقي ، فى الحقيقة أنا لا أعرف الفرق بين " الحجاب " و " العمل " كما أن معظم المكتوب لا أستطيع قراءته ، لقد كان الشيخ " سيد " علي حق عندما قال له " بللها فى الماء " قلت كتلميذ يتذكر إجابة سؤال لم يراجعه جيداً :
    - إن لم يكن هذا حجاباً فهو عمل بصلاح الحال .
    ثم أضفت :
    - هل تصدقني ؟
    هز رأسه ممنوناً ، ثم قال :
    - أرحتني .
    وأنا الذي لم يكن قد ارتاح بعد ، سألته :
    - هل لك أعداء ؟
    - أبدا
    - من غير أهل بيتك يمكن أن يضع هذه الورقة فى شق الحائط ؟
    - لا أحد
    - إذن ..
    وكنت أقصد زوجته، وكان هو يدرك أن لا أحد غير زوجته، ثم بدأ يسرد لي كيف وجد الورقة مطبقة ومحاطة جوانبها بالصمغ  فى شق الحائط ، وقد نسج عليها العنكبوت خيوطه وأن هذه ليست أول مرة تحدث ولكنه كان يتجنب الحديث عنها أقصد زوجته كنت من جانبي أتحاشي الحديث عنها أيضا وكان علي أن استمع حتي النهاية ، وما كان لي أن أشرد بفكري بعيداً :
    زوجته !
    جاءت يوماً إلي هذا المكان وجلست فى هذه الغرفة وبكت أمامي طويلاً ، وقلت لها أصبري وأنها يجب ألا تيأس ، وهو أبدا لن يطلقك وهي ما زالت زوجته ، وأنها بين نساء القرية عملة نادرة وكان الضرب فوق جسدها الأسمر اللدن صلباناً وسيوفا ، ساعتها قالت :
    - معمول له عمل .
    - وهل تعتقدين فى مثل هذه الخرافات ؟
    ولما أطرقت طويلاً ، وخيم علي الغرفة صمت أسود ، قلت لها :
    - استري جسدك المكشوف .
    ففعلت وابتسمت فى خجل لعوب ولم أعرف بعد ذلك كيف عادت له ؟ أو لماذا .. ؟ تنبهتُ لانقطاعه عن الكلام ، ورأيته يتململ فى جلسته وحرت كيف اعتذر له .. وكانت الورقة لم تزل مفرودة أمامي .. قال وقد ضبطني اختلس النظر إليها:
    - خليها عندك .. يمكن تنفعك .
    وكأنه قذفني بمدية ، فزعت ، ولم أعرف بماذا أجيب ؟ تركت الورقة  علي مضض فى مكانها وأنا أرفض بشدة بقاءها ، ولم أكن أعرف لماذا أيضا ؟ وكدت أصيح فى وجهه : " لا أريدها "  غير أنني لم أفعل شيئا . ثم قام واستعد للخروج وعند الباب شد علي يدي فى امتنان قائلا :
    - طمأنتني .
    ناديت علي أمي وعندما أخبرتها بما حدث ، وعلمت بوجود الورقة لدي، دقت علي صدرها فى فزع ، وأسرعت تأتي بطبق به ماء لتذوب فيه الورقة . ثم قالت :
    -         فى الصباح أخبر الشيخ " سيد " اللهم احفظنا .


    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: ورقة فى شق حائط قصة د.محمد عبدالحليم غنيم Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top