src=' «عَقْد الكلام» للمغربي جمال بوطيب: طرائق وأدوات الكتابة النقدية حسن لشقر - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الخميس، 15 ديسمبر، 2016

    «عَقْد الكلام» للمغربي جمال بوطيب: طرائق وأدوات الكتابة النقدية حسن لشقر

    تتخلق الكتابة النقدية لدى هذا الناقد، انطلاقا من توظيف تكنيكات وأدوات فنية ونقدية تلائم طبيعة النص/الخطاب، أو الظاهرة الأدبية المدروسة. ولعل ما يمنحُ مشروعه النقدي جدة وتميزا
    براعة استخدام الأداة النقدية، وتوظيفها توظيفا جديدا؛ توظيف يَمَسُّ آليات التأويل وطرائق مُساءَلة ومقاربة الموضوع.
    والحقيقة أن طرائق الكتابة النقدية لدى جمال بوطيب مكتنزة بالطاقات المجازية والكنائية والترميزية، فضلا عن علميتها ودقتها، بحيث لها طاقة تأثيرية هـائلة، كونها تقوم على أدوات نقدية لها فاعليتها في الإحاطة بمختلف المكونات والدوال والأنساق البـانية للمعنى في النص أو الخطـاب الأدبي ككل. من هنا نجد هذا النـاقد في إنجازاته النقدية، يسعى جاهدا إلى تحرير المصطلح النقدي من قيده المؤسسـاتي، وصولاً إلى تحريـر الأداة النقدية نفسها، وبهذا يستحدث مصطلحـات نقدية مغايرة، بحيـث يُعَوِّم المصطلح فيما هو أدبي وثقافي وفكري وأيديولوجـي، فيصبح تبعاً لذلك ذاكرة مكتنزة بالتجارب والمعـارف ومتلبسة بها. وبناء عليه يحدث نقـلة في الفعل النقـدي؛ نقلة في المصطلح الموظـف، والوظيفـة، وفي المفهـوم، وفي الاختبار والتطبيق، ونقلة في مسـاءلة النص/ الخطاب وتأويله، بحيث لم يحصر النقاد الفعـل النقدي في مجال الوعي، أو في نطاق الكشف أو التفسير، في مسعى لكشف الجمالي وتذوقه، ولكنه ـ بحكم تمكنه من مناهج النقـد الأدبي الحدثية وميكانيزماتها التي تتخلق بها ـ استطاع تأويل النص واجتـراح بنيته الداخلية والخارجية، كما استطاع أيضا اجتراح المضمر في الخطاب (الثقافي)، وكشف عيوبه النسقية ومعضلاته. وبهذا تجاوز قيـود الجمالي من جهة، وقيود الوعي من جهة أخرى. وفي مجمل ما كتب الناقد من نقد، لم يقف عند الكشف عن الدلالة الصريحة في النص/ الخطاب (الدلالة المرتبطة بالشرط النحوي النفعـي التواصلي)، أو الدلالة الضمنية (الدلالة المرتبطة بالوظيفة الجمالية للغة فحسب)، بل تعدى ذلك إلى إماطة اللثام عن الدلالة النسقية وكيفية تخلقها نصيا، بالكشف عن الفعل النسقي، الكامن في أعماق الخطاب، على نحو ما فعل في كتابيه: «الجسـد السردي» و»عَقْد الكلام»، بحيث استثمر طاقته النقدية الأدواتية والنظرية الراقية وخبرته المتطورة في مساءلة النص/ الخطـاب، وصولاً إلى تأويله تـأويلا منطقيا ووافيا، دون التـركيز على أدبيته أو جماليته فحسب.
    ينبني المنجز النقـدي عند جمال بوطيـب في أساسه على أجناس أدبية عدة تتوزع بين الشعر والسرد والتشكيل والمسرح والسينما. ولقـد دَشَّنَ الناقد مشروعه النقدي بصدور كتابه الذي وَسَمَهُ بالجسـد السردي: أحادية الدال وتعدد المرجع (2006)، ثم بعد ذلك أصـدر مجموعة من الكتب النقدية الجادة نذكر منها: كتاب: «الشعري والسردي: مساءلات نصية» (2013)، وكتـاب: «عَقْدُ الكلام: إضمارية الحجاج الشعري» (2016).
    ونظراً، لشساعة هذا المنجز النقدي وخُصوبته، فإننا سنقف عند تجربة نعتبرها من أبرز ما أنجزه بوطيب، والمتجسدة في كتابه النقدي المعنون بـ»عَقْد الكلام: إضمارية الحجاج الشعري». (منشورات مقاربات، المغرب، 2016). نستشف من قراءتنا لمنجزه النقدي أنه لا يُعْلِنُ ولاءه لمنهـج معين ومحدد، انطلاقا من قنـاعته أنه لا يمكن مقاربة الظاهرة الأدبية أو النقدية اعتمادا على تطبيق منهج وحيد وأوحد؛ بحيث نَجِدُ في تأويله لنصوص محمود درويش من ديوانه «لا تعتذر عما فعلت»، توليفاً جميلا لمبادئ وأسس نقدية ومنهجية استقاها من مناهج ونظريات عدة، كالمنهج البنيـوي والتفكيكي والأسلوبي، ونظرية التلقي، والنظرية الثقافية، ذلك أن «الحجاج نسقيا هو حاصل نصي عن توليد مكونات مختلفة تتعلـق بمقام ذي هدف إقناعـي» (عقد الكلام). من هنا فمفاتيح تأويل النص توجد في داخله (البنيات اللغوية والبلاغية)، وفي خارجه (البنيات الاجتماعية والفكرية والأيديولوجية)، وتبعا لذلك يمكن لأي نص/ خطاب بحسب الناقد جمال بوطيب، أن يختار استراتيجيته المناسبة والمساعدة في الكشف أو في التستر، ما دام عَقْدُ الكلام بشكليه الظـاهر والمستتر، «يوفر في كل حدث تواصلي مفاتيح التأويل لنص من النصوص، ويمكن أن يحدث أن يُذَكِّر النص بهذا العقد، وفي هذه الحالة يكون الحجاج ظـاهرا وأن يخفيه وفي هذه الحالة يكون الحجاج مضمرا» (عقد الكلام).
    وهكذا، يستثمر الناقد بداية ـ في سياق تأويله لنصوص محمود درويش مبادئ التحليل البنيوي أو النصي، من خلال تزاوُج الدوال المؤسسة على مجموعة من الثنائيات المتقابلة، التي عبْرها أمكَنهُ ملاحقة المضمر أو المستتر في النص، والبحث في منطقه لا في حجاجه. وهذه الثنائيات يمكن حصرها كالتالي: الاسم والشيء/ النفي والإثبات/ الذكوري والأنثوي/الوجود والعدم/ الفقد والامتلاك/ الخطيئة والتوبة/ الغائب والحاضر/ السقوط والوقوف/ الاحتمال واليقين/ السمو والدنو. وتبعا لذلك، فتقابل الاسم والشيء مثلا في قصيدة «أنا وإن كنت الأخير»، يدخل ضمن ثنائية تقابلية بين المتكلم والغائب. والمقصود بالمتكلم والغائب معاً، هو ما ينظر إليه في تصورين اثنين حسب جمال بوطيب:
    - التصور الأول: الجسدي، أي الحضور والغياب الجسدي للذات والذات الثانية.
    - التصور الثاني: النحوي، أي الضمائر الدالة على المتكلم، ونظيرتها الدالة على الغائب.
    ويستثمر جمال بوطيب في أكثر من موضع في كتابه المذكور، النظرية الأسلوبية، فيستقي بعضاً من مبادئها في التحليل النصي، خاصة فيما يتعلق بإبرازه خواص اللغة الشعرية عند محمود درويش في ديوانه «لا تعتذر عما فعلت» تحديدا، في سياق كَشْفِهِ وإبرازه للمتخيل الشعري، عبر تحليله لأنساق الصور من خلال مجموعة من الجداول المُسَطَّرة في الكتاب. ولكن ما يبين بجلاء اتكاء الناقد على مبادئ التحليل الأسلوبي، إحاطته بثنائية النفي والإثبات في قصيدة «انزل»، اعتمادا على توزيع مضامينها عبر حقلين دلاليين هما: حقل دال على النفي وآخر دال على الإثبات. وهكذا، قام برصد الجمل والعبارات الدالة على كل حقل من خلال جَدْولٍ توضيحي قُسِّمَ إلى خانتين اثنتين. والأمثلة التي تبرز تأثر الناقد ـ في هذا الكتاب ـ بمنجزات التحليل الأسلوبي كثيرة ومتنوعة لا يمكن حصرها كلها في هذا المجال.
    وتنبغي الإشارة أيضا إلى أن الناقد جمال بوطيب، في كتابة هذا، تأثر بمرتكزات النظرية التفكيكية عند جاك دريدا، نلمس ذلك في تأويله لنصوص محمود درويش الاستناد إلى فكرة «الانتشار والتشتت»، أي تناثر المعنى وانتشاره في النص بطريقة يَصْعُبُ ضبطها والتحكم بها. وهو ما يصطلح عليه جاك دريدا بـ»فيضان المعنى» (صلاح فضل، مناهج النقد المعاصر). من هذا المنطلق يأخذ المصطلح بُعْدا تأويليا خاصا في النصوص التي طالها فعل التأويل ـ في الكتاب ـ خاصة في قصيدة «لا تنس كأنك لم تكن»، التي تتردد فيها المصطلحات الآتية: المَصْرَعُ، الموت، الهَجْرُ، الإفراغُ، العبور (عقد الكلام). فهذه المصطلحات هي المُشَكِّلَة والمُؤَسِّسَة لثنائية الوجود والعدم في القصيدة المذكورة، بما تحمل هذه الثنائية من بعد فلسفي، بحيث لا يمكن تأويلها إلا بالاستعانة بحقول فكرية ومعرفية مختلفة كالرمزية والصوفية وغيرهما. وفي هذا الصدد يرى الناقد جمال بوطيب أن «الوجود حياة، والحياة حرية، والحرية هي انتصار ذاتي، أي تحرر من اللاإبداع ومن عبادة الأمس، ومن الكيانات ومن اللغة، ومن مختلف السلط التي تقود الإنسان أو يُقادُ بواسطتها إلى حيث اللاوجود» (عقد الكلام). ويبدو بوضوح مدى استلهام الناقد لمبادئ النظرية التفكيكية في فهمه الهرمينوطيقي للنص الدرويشي، الذي ينطلق فيه من أن كل عنصر من عناصر النص المؤول «يفهم من خلال الكل والكل يُفهم بوصفه وحدة شاملة تتكون من جميع العناصر» (صلاح فضل، مناهج النقد المعاصر).
    وَحَريّ بنا الإشارة ألى أن الناقد يستند إلى أهم مرتكزات النقد الثقافي، التي تهدفُ إلى الكشف عن المضمر أو المستتر في النص/ الخطاب، أي ما يسمى بالدلالة النسقية، وهذا ما صرح به الناقد نفسه في مقدمة الكتاب: «إن قراءة تأويلية لنصوص «لاتعتذر عما فعلت» تكشف بجلاء أن إضماره كان لتقابلية غريبة تتنوع بين التكامل والتضاد والتعارض والتنافي، لذلك لاحقنا هذه الثنائية عبر تصورات دلالية بالأساس، قائمة على ملاحقة المضمر في النص والبحث في منطقه لا في حجاجه» (عقد الكلام).
    وانطلاقا من أن أي نص/ خطاب يبني نفسه ويشكلها داخليا في علاقات مع العلامات الإيديـولوجية التي يُشكِّل نظامها الرمـزي، راحَ جمال بوطيب يُؤَوِّلُ نصوص محمود درويش في الديوان المذكور، ويُسائِلُ العلاقة بين الفرد وقيم المجتمع، كما راح يُسَائِل الذات في خضم فجيعتها واغترابها النفسي والاجتماعي والجسدي والإبـداعي. وفي مواضع كثيرة من الكتـاب (عَقْدُ الكلام)، لم يَغفل الناقد كَشْف الأبعاد الإيديولوجية والفكرية والاجتماعية المتحكمة، التي تُضْمِرها نصوص الديوان، وهذا ما نلمسه في مقـاربته لثنائية الفقد والامتلاك في قصيدة «لبلادنـا»، وذلك في مثل قوله «… طبعا لا ينبغي إغفـال البعد الأيديولـوجي المنطلق أسـاسا من مرجعية ذاتية أسبابها متوزعة بين تكـوين فردي، وأثر مجتمعي ومخـزون قرائي…» (عقد الكلام). كما أن الناقد لم يتغافل في تـأويله لنصوص محمود درويـش، المضمـرات النسقية للثقافة، انطلاقا من قناعته أن المعنى يتحدد في النص عبر وظيفة المصطلح أو العبارة، لا عبر وجوده الجمالي فحسب. من هنا راح يؤول المحمولات الدلالية لبعض المصطلحات الثقافية، التي تتلبس الخطاب الدرويشي، من قبيل: الحصان ـ الفارس ـ الوردة … (عقد الكلام)، في محاولة منه لكشف المعنى المضمر أو المستتر خلفها، من منطلق أن المصطلح داخل أي نص أو خطاب يمثل في الحقيقة «صدى لوضع ثقافي معين وهو الذي يشكل فيه النسق الثقافي القسط الأكبر منه « (أحمد يوسف، مجلة عالم الفكر، مج، 36/2007)، لأن ذاكرة المصطلح ذاكرة مكتنزة بالتجارب ومتلبسة بها.
    ٭ باحث وعضو اتحاد كتاب المغرب
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: «عَقْد الكلام» للمغربي جمال بوطيب: طرائق وأدوات الكتابة النقدية حسن لشقر Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top