src=' فاطمة المرنيسي.. رحيل سيدة الحريم : محمود الغيطاني - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الخميس، 15 ديسمبر، 2016

    فاطمة المرنيسي.. رحيل سيدة الحريم : محمود الغيطاني

    لعل كل من يمر على المشروع الفكري الاجتماعي الذي كتبته الباحثة الاجتماعية المغربية فاطمة المرنيسي يستطيع إدراك أهمية ما قدمته من كتابات مهمة تحرص على
    وجود حالة حقيقية من حالات العصف الفكري والاجتماعي للمجتمع العربي والغربي وما توارثاه من إرث ثقيل باتجاه المرأة التي لا يرى فيها سوى مجرد مطية، أو أداة للمتعة لا قيمة لها خارج الفراش، هنا تؤكد المرنيسي أن المجتمع العربي والغربي في هذا الأمر سيان لا يختلفان كثيرا سوى في آليات النظر إلى الأنثى في مجتمعاتهم؛ فهي تؤكد أن الغرب يعتقد أن “جمال المرأة في الغرب لا زال مُتمثلا في عارضات الأزياء والممثلات الخليعات لدى الغربيين حين تبيعهن الدعاية تائهات منفصلات عن الواقع، على الرغم من انتشار الحركات النسوية فيها في أيامنا هذه”، كما تقول: “فإنها فوجئت حين اكتشفت في بداية السبعينيات، أثناء دراستها في الولايات المتحدة الأميركية، أن المرأة الجميلة يجب أن تكون “غبية بالضرورة”، وعلى المرأة أن تختار: “أن تكون جميلة ومتبرجة وتضع الحلي، أو أن تكون ذكية وتحرم نفسها من كل هذه الزينة، وقد اكتشفت المرنيسي أن الشقراء الغبية كانت رائجة في ذلك الحين، وهي نموذج هوليوود والدعاية الأميركية كما فهمت من إحدى المجموعات العلاجية التابعة للحركات النسوية؛ مما اضطر المرنيسي أن تكف عن التبرج وأن تخلع أقراطها وأساورها، فهي لم تعتد على هذه الاحكام ” ذلك أن التبرج لم يكن مرادفا للغباء في مدينة فاس.
    لكن هل كانت المرنيسي مجرد مدافعة عن حقوق المرأة بشكل تصادمي مع المجتمعات العربية كما نرى ذلك من خلال العديدات ممن تبنين القضايا النسوية، وتحرير المرأة وغيرها، وهل كانت ترى أن الإسلام هو العدو الأول للمرأة، ومن ثم فهو السبب في إهانتها وتحقيرها بمثل هذا الشكل؟
    القارئ الجيد لما كتبته يستطيع التأكد أنها لم تأخذ في يوم ما موقفا معاديا من الدين في سبيل الحديث عن حقوق المرأة، بل كانت تنطلق من منطلقات دينية منذ البداية لتؤكد هذه الحقوق التي لابد أن تتمتع بها المرأة، سواء كان الحق في الانتخاب، أو تشكيل المجتمعات، أو الخروج من دائرة الحريم الخانقة، أو حتى حريتها الجنسية وحريتها في عدم الالتزام بالحجاب الذي فرضه عليها المجتمع كقيد لابد منه من أجل السيطرة عليها والتحكم فيها.
    إنها هنا تحاول النقاش بهدوء من دون الاصطدام بآليات المجتمع وثوابته، تُفضل الإتيان بالدلائل من خلال مقدمات لابد أن تؤدي بها في نهاية الأمر إلى معطيات مُقنعة، وبالتالي فهي لا تُطلق الكلام على عواهنه لأن هذه هي وجهة نظرها، بل تصل إلى النتيجة لأنه لا يمكن أن تكون هناك نتيجة إلا ما ذهبت إليه من خلال نقاش هادئ وعقلاني يؤكد ما تقوله.
    تقول المرنيسي: “إن ردة الفعل القوية من قبل المسلمين تجاه مسألة تحرر المرأة إشكالية تُعزى إلى قلة النماذج “للنساء المتحررات” فالنموذجين الرئيسين أحدهما هو النموذج العربي الداخلي، ذلك الخاص بالعائلة وأنماط الجنسانية في حقبة ما قبل الإسلام، والثاني هو النموذج الغربي، إن النماذج الاشتراكية مثلا رغم أهميتها لأنماط العائلة والجنسانية بالكاد معروفة ويتم تجاهلها بشكل ممنهج ومقصود، وكلا النموذجين الإسلامي والغربي يقدمان نموذجا مجروحًا للجنسانية”، فهي هنا لا تدين المجتمع العربي والإسلامي فقط بسبب نظرته وتعامله مع المرأة، بل هي تلقي باللوم على المجتمع الغربي أيضا الذي تعامل مع
    المرأة باعتبارها سلعة، ومن ثم تكون نظرته إليها هي محض نظرة ذكورية لا تختلف كثيرا عن نظرة العربي المسلم.
    تؤكد المرنيسي أن نظرة المجتمع الإسلامي هي نظرة جنسية فتقول: “الزواج الإسلامي يقوم على افتراض أن النظام الاجتماعي يمكن المحافظة عليه فقط إذا تم تقييد خطورة الفوضى الكامنة للمرأة من قِبل الزوج المُسيطر، ولذلك فإن المخاوف المرتبطة بنظام العائلة تبدو مُبررة ، حيث هذه المخاوف مغروسة في الثقافة عبر قرون من اضطهاد المرأة، فمن المفهوم أن الذكور المسلمين يشعرون برعب من فكرة تحول أنماط عائلاتهم وحياتهم الجنسية إلى أنماط غربية، من حيث أن صفات الجنسانية في الثقافة الغربية هي تشويه لاستقامة المرأة، وهذا أيضا يبدو مفهوما فقد اقترض تحرر المرأة المسلمة كثير من صفات المرأة الغربية مثل الزي الغربي في ثلاثينيات وأربعينيات وخمسينيات القرن العشرين والذي كان بالمناسبة هو لباس المرأة المستعمِرة”، وهنا فالذكر المسلم يخشى دائما تغيير النظام الاجتماعي الذي فرضه على المرأة كي تحيا دائما في كنفه مجرد تابعة له، ومجرد واحدة من الحريم اللاتي يريدهن لنفسه، أما إذا تغير هذا النمط ونالت المرأة إرادتها الحرة، وقدرتها على التفكير وشعورها بالمسئولية واتخاذ القرارات فهذا سيكون بمثابة الخطر الذي يهدم حياته الذكورية بالكامل التي رسمها كما يرغب لتكون هي خاضعة لمثل هذا المنظور الذي يرغبه.
    تحاول المرنيسي التأمل في أسباب خشية الرجل من أن تنال المرأة حقها في الحياة حيث تقول: “إن المخاوف التي أيقظها تغريب المرأة والذي لازم تحرير المرأة منذ أوائل القرن العشرين إلى يومنا هذا يمكن تفسيرها ببساطة على أنها مثال آخر سلسلة تمييز الذكر بصفته كائن عقلاني أكثر من المرأة، فالمجتمع المسلم مؤمن بأن الذكور قادرين على اختيار ما هو جيد في الحضارة الغربية، و ترك و نبذ ما هو سيء وغير نافع، في حين أن النساء غير قادرات على الاختيار بشكل صحيح، وهذا ما يتوافق مع الآراء الإسلامية بشكلٍ عام، وهناك عامل آخر يُساعد في فهم مخاوف الرجال من التغييرات التي تحدث الآن، وهو أن تغريب المرأة قد عزز من قدرتها الإغرائية، وهو ما يُعارض الأخلاق الإسلامية، ومن المثير للاهتمام أنه لما كان على حركات تحرر المرأة الغربية رفض ظهور جسد المرأة واستغلاله في وسائل الإعلام الإباحية، كانت المرأة المسلمة على الأرجح تُطالب بحقها في جسدها كجزء من تحررها والذي يملكه بالأساس الذكر الزوج أو الاب أو الشقيق، ونستطيع ربما أن نفهم من انتشار صالونات التجميل هو تمهيد لإلحاح المرأة على المطالبة بجسدها”، إنها هنا تتأمل بشكل عقلاني في أسباب رفض الرجل الشرقي مفهوم تحرر النساء، فإنه منذ القدم قد أصر على مفهوم ذكوري يرى أنه الأقدر على الاختيار، وأنه الأكثر رجاحة في عقله، وهو فقط القادر على أخذ الجيد وترك السيئ بينما المرأة لا تؤهلها عقليتها لمثل هذه المهمة التي باتت مهمة ذكورية مقدسة تخصه هو في المقام الأول.
    تحاول المرنيسي في كتابها المهم “هل أنتم محصنون ضد الحريم” التأمل في أسباب مفهوم الحريم والقيود لدى كل من الديانتين المسيحية والإسلامية فتؤكد أن المسيحيين واجهوا مشكلة عويصة في التعامل معها؛ فبينما أحد الامتيازات العظيمة التي يتمتع بها المسلم هو حقه في المتعة، كان على المسيحي الصالح، بهذا المعنى، الارتحال إلى الشرق؛ “للاستمتاع” حيث الديانة الإسلامية تُعظم المتعة الجنسية وتصنفها من بين خيرات الحياة الدنيا، وفي المقابل يرى القديس أغسطينوس أن الكنيسة لا تقبل أن يستمتع المؤمن بالجنس، والزوج المثالي من يضبط نفسه باستمرار، ويعيش في حالة من الامتناع كما لو أنه في صوم دائم: “يجب على الأزواج الامتناع عن المتعة طوال السنة؛ لأن الذي يسعى دون اعتدال وراء الاشياء يسئ للذي حللها له.
    لم تذهب فاطمة المرنيسي يوما إلى اتهام الإسلام أو المسلمين إلى أنهم السبب الرئيس في تحقير المرأة، بل رأت أن هذا الإرث متواجد منذ القدم لدى العديد من الحضارات التي جعلتها مجرد أداة للمتعة فقد قدمت وسائل الإعلام الغربية صورة سلبية للرجل العربي المسلم، ونسبت إليه جريمة لا تُغتفر في الأخلاق المسيحية المتشددة، كونه قد أنشأ الحريم، وإن كانت الكاتبة تطلعنا أنه لو قرأنا كتب التاريخ لاكتشفنا أن الأخير لم يكن أول من مارس ذلك، فقد عُرف الحريم الإمبراطوري في التاريخ قبل 700 سنة على ظهور الإسلام، فقد مارسه الإغريق والرومان على حد سواء.
    في كتب المرنيسي تُحاول دائما البحث في كيفية الاندماج الطبيعي في عالم يقوم بتحديث نفسه بينما هو منشطر بين غرب يسعى لتحويل التحديث إلى عمل مستحيل من خلال تمزيق الأنساق التي لابد لكل تحديث أن ينتظم فيها، ومجتمع ذكوري يتعمد إقصاء نصفه كعورة فاضحة، قاصرة، ومبتورة، ومطمورة، لكنه مثير للشبق، وهو قطاع النساء، وعلى هذا فكل من الغرب والذكورية العربية يتبادلان المصالح، ويقهران المرأة، وسلسلة الانهيارات المعاصرة في سلم القيم يُراد بها الحيلولة دون تقبل المرأة كآخر، ومن ثم دفع المرأة إلى الحاشية؛ ليجري تهميشها ككائن خُلق للنسيان في طيات الحياة المهملة كذات يأخذ وجودها معنى واحدا هو: الجسد مادة اللذة وموضوعها، إنها جسد يمكن أن يُقلّب على كل جوانبه، يُفحص باستيهام ذهني، وتُدرج تفاصيله في سياق الشبق اللغوي، ويُعاد إنتاجه كمادة دعائية من أجل استثارة رجولة خاملة تُعاني الإخفاق والانكسار في عالمها فتبالغ في الادعاء الذكوري، وبإزاء هذا الاختلال وتلك المصادرة لا يحصل توافق طبيعي بين الأجساد؛ لأنه توافق هش ومُصطنع يقوم ذهنيا على الاستباحة والاغتصاب والأنانية.
    لكنها كانت حريصة على الفصل بين أن تنادي بحقوق المرأة في حريتها، وبين معاداة الرجل، فهي لم تنظر في يوم إلى الرجل المهيمن من خلال فكره الذكوري باعتباره عدوها، بل هو مكمل لها دائما في رحلة الإنسانية، ومن ثم كانت تحاول نقاشه من خلال العديد من البراهين والدلائل العقلية.
    وُلدت المرنيسي في مدينة فاس المغربية عام 1940م، ودرست في السوربون، وتخصصت في علم الاجتماع ثم حصلت على الدكتوراه في العلوم الاجتماعية من أميركا، وبعدها عادت إلى المغرب لتعمل أستاذة باحثة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، وإن كانت كل كتاباتها باللغة الفرنسية، وقد تعرضت أعمالها للمنع كثيرا إما بطريق مباشر أو غير مباشر، حدث ذلك مع كتابها “الحريم السياسي: النبي والنساء”، و تكرر نفس الأمر مع “الحجاب و النخبة الذكورية” فضلا عن أطروحتها “الجنس كهندسة اجتماعية.

    يقول عنها الكاتب و الباحث السوسيولوجي عبد الرحيم العطري: “الانتماء إلى هكذا صف، في مجتمع فائق الذكورية، لا بد أن يكون له ثمن، يؤديه المرء، تهميشا وتبخيسا ومنعا وهدرا للدم، أو في أبسط الحالات “حقدا” أعمى من طرف زملاء الحرفة، لكن ما يجعل المرء ينتشي أخيرا، ويتحرر من آلام “ضريبة النجاح” هو الاعتراف بصيغة “العالمية”، ولو جاء متأخرا، ومن توقيع “الآخر”، ففي سنة 2003م سيأتي هذا الاعتراف من الضفة الأخرى، في صيغة جائزة أستورياس للآداب في إسبانيا والتي أحرزتها المرنيسي مناصفة مع الكاتبة الأميركية سوزان سونتاغ، ولم تكن الجائزة الإسبانية إلا إيذانا بانطلاق موسم الاعتراف العالمي، ففي السنة الموالية حصلت المرنيسي على جائزة إراسموس الهولندية مناصفة مع عبد الكريم سوروش، وصادق جلال العظم.
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: فاطمة المرنيسي.. رحيل سيدة الحريم : محمود الغيطاني Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top