src=' العنف كوجبة سريعة بقلم: رشيدة الركيك - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الخميس، 12 يناير 2017

    العنف كوجبة سريعة بقلم: رشيدة الركيك

    يجود علينا واقعنا اليوم بالكثير من الأحداث على جميع المستويات و في جميع المجالات، بوجبة سريعة الاستهلاك. و الحق أنها وجبة خالية من المواد الكيماوية الحافظة، وجبة تكشف القناع عن الجانب الطبيعي في الإنسان. إنها وجبة العنف الكثيرة
    الاستهلاك. 
     هو عنف في أسلوبنا التربوي، في علاقاتنا الاجتماعية، داخل المدرسة، في المستشفيات، في الشارع... و حتى داخل البيت ونحن جالسون أمام التلفاز يجود علينا بدوره بأشكال ما يكفي من مظاهر العنف ومفاهيمه و مشاهده من رسوم متحركة و أفلام وبرامج و أخبار حتى في النشرات الجوية فيها رياح عنيفة وبحر كثير الهيجان...غير أننا نقبله في مجال الأرصاد الجوية لأنه يرتبط بجبروت الطبيعة القاهر للتواجد الإنساني، ومع ذلك بالعقل استطاع  الإنسان السيطرة عليها فكان ملكا عليها ومالكا لها. فما محل العقل من الإعراب أمام العنف الإنساني لبعضه البعض؟ و كيف يواجه محنته تلك؟ 
    نعود لنقول إذا كانت التربية هي من يضع اللجام على هذه الحالة الطبيعية عن طريق التنشئة الاجتماعية، كي تنقل الإنسان إلى حالة الثقافة داخل مجتمع تضبطه قوانين وتنظمه وتقبل بالحرية المقننة. لماذا اليوم لم تنجح الأسرة في ذلك؟ لماذا اليوم أصبح العنف بين الناس أكلة سريعة تغذي الصراع و تكثر من المشادات داخل كل تواجد اجتماعي؟ بل أصبح العنف مشهدا يوميا طبيعيا تقدم فيه النصيحة بأسلوب عنيف لاغية كل إمكانية للتواصل، وكأن العنف له دائما ما يبرره؟  
    فهل زمن التربية على القيم و الأخلاق ولى ولم يعد؟ وهل مدة صلاحية القيم قد انتهت؟ أم أن معايير أخلاقية أخرى ظهرت مع تغير المجتمع كواقع يجر معه الكثير من المعاناة، و كأن تواجد الفرد داخل هذا المجتمع يفرض عليه أن يكون إما غالبا أو مغلوبا ؟ 
    هل سنقبل على أنفسنا العودة إلى قانون الغاب، القوي يأكل الضعيف و البقاء للأقوى، مع العلم أن كل قوي يوجد من هو أقوى منه، و أن كل قوي سينتهي عمره بالضعف فيكون من مصلحته الامتثال للقوانين الوضعية؟ 
    أليس قبولنا للعنف، هو تسليم ضمني لاستبدال قوة الحق بحق القوة، فتضيع كل المفاهيم الإنسانية الجميلة التي يتباهى تاريخ الإنسان بالحديث عن ما حققه من إنصاف ومساواة وحقوق وعدالة...؟   
    نحن نتكلم عن علاقات اجتماعية يومية بسيطة داخل المجتمع وما يشوبها من التباهي بالعنف و التظاهر بالقوة كمعيار لفرض الوجود. ألم يحن الوقت للدعوة إلى  التربية على القيم النبيلة و التشجيع عليها و إجراء مباريات و أفلام و مهرجانات تتخذ من القيم الأخلاقية وجبة شهية للتواجد الاجتماعي الإيجابي المريح لبعضنا البعض  و لحياة بسيطة هادئة؟ ألم يحن الوقت التفكير في تخصيص مادة دراسية في كل المستويات اسمها القيم الأخلاقية؟ 
     إن كل سلوك عنيف فيه دعوة لعنف مضاد يصبح ضرورة قبول العنف كسلوك، وأي تعقل فيه إعلان عن حالة خوف وعدم القدرة على تحقيق الحق وأننا في موقف حرج، تلك إذن محنة جديدة للعقل يبدو فيه العنف نوع من الذكاء الاجتماعي و إثبات الذات وسط المجموع والإثارة العلنية لكل مشكل بإزعاج كبير وبشكل متكرر في كل تجمع إنساني . 
     لقد كانت للحضارة دعوة عملت على تجاوزها عبر حقب من التاريخ هو تحقيق مفاهيم إنسانية نبيلة من عدالة وإنصاف، وقد كان نوعا من الاستحقاق كنا نفتخر به لمدة من الزمن بعد امتثال الإنسان للقوانين الوضعية. لكن اليوم كان في نهج سلوك العنف تمرد على قلق الحضارة و على كل تنظيم إنساني لا يخلو من الجهد لتحقيق السكينة و الراحة النفسية فيه إشارة لاهتزاز الثقة في كل ما هو وضعي . وهكذا إذا لم تستطع تلك القوانين الوضعية الرقي بالإنسان ألا يصح تناول الموضوع بالعمل على ترسيخ منظومة القيم في شتى المجالات بل وتنظيم تكوينات في هذا المجال من أجل حياة أفضل للجميع و الدعوة لتخليق الحياة الاجتماعية بشكل جدي كتفكير براغماتي فاعل في الظروف الراهنة؟       
    عموما لا زالت نفحات أمل تسري داخل مجتمعنا و تدعونا للسير قدما نحو إنسان نبيل يتخذ من العقل و القوانين مصدرا لكل علاقة اجتماعية هادفة فيها من الحوار ما يكفي و من الحب ما يكفي و من التسامح ما يكفي، خصوصا أن للكون رب يدبر وجوده، هو الجبار القوي ومع ذلك هو الغفور الرحيم أليس في ذلك عبرة لإنسان من شيمه الضعف حتى في أكبر لحظات قوته يخفي ضعفا، ولد ضعيفا و ينتهي ضعيفا، ومن مصلحته أن يكون عادلا. ولأن الصداقة أهم من العدل كما قال أرسطو، أفلم يحن الوقت للدعوة و التشجيع على العلاقات الإنسانية الإيجابية السوية في مختلف مجالات الحياة يكون التواصل والإيمان بالاختلاف أهم أعمدتها؟  


    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: العنف كوجبة سريعة بقلم: رشيدة الركيك Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top