src=' مقدمة نظرية لكتاب" شعرية القصيدة المغربية الحديثة / التأسيسات الجمالية " تأليف محمد علوط - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الاثنين، 16 يناير 2017

    مقدمة نظرية لكتاب" شعرية القصيدة المغربية الحديثة / التأسيسات الجمالية " تأليف محمد علوط

    حين بدأت الحفريات النقدية في المتن الشعري للمبدع المغربي لم يكن يخالجني أدنى شك في اعتبار نتاجه الشعري من المتون الأبرز تمثيلية لمسارات وتحولات القصيدة الحديثة بالمغرب من عقد السبعينات إلى اليوم . 
    لقد انشغلت بمدارسة مجمل دواوينه على امتداد الحقبة من منتصف الثمانينات إلى اليوم إلى جانب انشغال نقدي مواز بحصيلة هامة من الدواوين الشعرية المغربية توفر منها لدينا خمس مقاربات نقدية أساسية حول دواوين الشاعر : " نشيد البجع " و" سدوم " و" غيمة أو حجر " و" بعكس الماء " و" قليلا أكثر " و" أخسر السماء وأربح الأرض " .
     وهذه المقاربات شكلت المشتل النقدي لانبناء فصول هذا الكتاب وصياغته النظرية والإجرائية التي من خلال تجربة " الكتابة الشعرية " لدى محمد بنطلحة صاغت وعيا نقديا بويطيقي الأبعاد حول " التأسيسات الجمالية " للنص الشعري لدى هذا المبدع الاستثنائي والمتفرد الصوت والبصمة ، وأيضا " التأسيسات الجمالية " للقصيدة المغربية الحديثة بين سقفين جماليين لنسق في الكتابة الشعرية يستمد مرجعياته التخييلية من النسق الباني للقصيدة الحداثية ذات " النزوع الملحمي الرؤيوي " ترتسم إرساءاته النقدية وتمثلاته التخييلية فيما سميناه ب " شعرية المماثلة " .

    أما السقف الجمالي الثاني فيتمثل في نسق الكتابة الشعرية المنبنية على ارتياد جمالي أساسه البحث عن " المغايرة والاختلاف " ونزوع الشعراء إلى مساءلة " الهوية الشعرية " من خارج النسق الناظم لـ " شعرية المماثلة " الذي كما ذكرنا تتحدد انبناءاته النصانية والتخييلية في استرفاد القيم الجمالية التي أرستها قصيدة " النزوع الملحمي الرؤيوي " ؛ وهذا النسق الثاني أسميناه بـ " شعرية النفي " . واخترنا اصطلاح " النفي " كإبدال لاصطلاح " المماثلة "، و ذلك لأن الكوجيطو المحدد لهوية الصوت الشعري في " شعرية المماثلة " ينبني على كينونة عضوية تنسج إسمها في " تمثلات الشبيه " ( ) والذي نقصد به الكتابة من داخل ( النسق / المعيار ) لتمثلات " الذات " و" الواقع " في التشخيصات التخييلية الرمزية لـ " القصيدة الملحمية الرؤيوية " ؛ تلك التشخيصات التخييلية الرمزية التي تحكمها إوالية " التصعيد " و" التسامي " وتنتج متخيلا شعريا رمزيا " مؤمثلا ومؤسطرا " .
     أما التشخيصات التخييلية الرمزية لـ " الذات " و" الواقع " في " شعرية النفي " فإن الكوجيطو الشعري لمبدأ " الهوية الشعرية " يشتغل من خارج " تمثلات الشبيه " حيث " الأنا الشعري " يقوم على تمثل لـ " الإسم الرمزي " من خلال وعي أنطولوجي حاد بـ " الهويات الغيرية " . إنه " ينفي " مبدأ التماثل الناظم لـ " شعرية المماثلة " واشتغال الكتابة الشعرية على ( النسق / المعيار) من خلال اللجوء إلى إبدال اختلافي في الكتابة الشعرية يضع الهوية الشعرية في محيط التماس مع " الذاكرات الشعرية " و" الأفق الكوني الإنساني " للنص الشعري ، والأركيولوجيات الأنتروبولوجية الثقافية حيث نسج الهوية الشعرية يتعالق ب " الغيريات " و " مجازات الاخر " التي تجعل الكتابة الشعرية " فضاء عبر نصانيا " خرائطي المعنى وطرسي التأليف؛ تتمثل فيه الكلمة الشعرية ذاتها في أفق مطلقها الشعري ، وينشأ " الإسم الرمزي " من خلال إوالية النفي بدل التسامي المؤدلج في " القصيدة الملحمية الرؤيوية " ، ذلك النفي الذي لا يعني مفهوم (La Négation) في خطاب ما بعد الحداثة المرتبط بانتفاء المعنى وموت المؤلف ، بل " النفي الذي يتهجى اسمه الرمزي في " الآخر " L’autre وهو الشيء الذي عبر عنه الشاعر في أحد حواراته الشعرية :
    - كيف تنظر إلى نفسك ؟
    - كما لو تعلق الأمر بإنسان آخر( ين ) . ( )
    ترتبط " شعرية الماثلة " بنسق شعري عضوي يجعل القصيدة تشتغل من داخل أفق تخييلي مغلق " أحادي الدلالة " .
     وذلك ما يؤدي إلى نظرية المعاني المشتركة وتآلف النصوص الشعرية في بناء أنموذجي يصير " نظيرا شعريا " من خلاله نقرأ الهوية الشعرية للشاعر. هذا النظير الشعري يصير له " ميثاق قراءة " و" أفق تلقي " متواضع عليه .
     وهذا فإن المعنى الشعري في قول امرئ القيس ( قفا نبك.. ) وقول عنترة ( هل غادر الشعراء من متردم ) يندرج من حيث المقروئية النقدية في سياق نظرية التلقي والتأسيسات المرتبطة ب " ميثاق الكتابة والقراءة " من داخل نظير شعري جمالي نجد محدداته النقدية النظرية في كتاب مثل ( طبقات فحول الشعراء ) لابن سلام الجمحي، كما نجد محدداته النظرية في الخصومات بين القدماء والمحدثين من خلال تنابذ وعيين اختلافيين لـ " نظيرين شعريين " تحكمها إبدالات استطيقية متغايرة .
     الكتابة من داخل النظير الشعري المغلق تحتكم إلى وعي المماثلة الذي من خلاله أقام الآمدي موازناته بين شعر البحتري وأبي تمام ، وحين نقرأ من شعر بنطلحه قوله :
    " الكتب
    هي الأخرى سوف أتركها ورائي
    عندي أصلها
    العدم . "
    فهذا نص شعري لا يمكن قراءته إلا من خلال  وعي اختلافي لدى الشاعر وهو يسائل هويته الشعرية في علاقتها ب " النظائر الشعرية " السائدة ، وذلك لأن محمد بنطلحة في هذا النص يستدعي بتناص ذكي مقولة " نسيان المحفوظ الشعري " التي بدل المماثلة تؤسس للقول الشعري الاختلافي والمغاير الذي صاغه في التمثلات الشعرية لقصيدته " أشرب وأنسى " من ديوانه " غيمة أو حجر " .

    فصول هذا الكتاب وهي تستجلي التأسيسات الجمالية للقصيدة الحديثة بالمغرب من خلال التجربة الشعرية لمحمد بنطلحة تروم إلى تأسيس ذائقة في التلقي الشعري نظريا وإجرائيا وديداكتيكا تسمح للقارئ المغربي والعربي بأن يستوعب جماليات اشتغال هذه القصيدة دون أن يتموضع إزاءها في موقف " اغترابي " وموقف " النبذ والخصومة ". فكتابنا هذا – رغم أن مظان اشتغاله هو بويطيتا الكتابة الشعرية لدى محمد بنطلحة وما رافقه من إحالات إلى نصوص شعراء مغاربة آخرين – فإن خلفياته المنهجية تصب اهتمامها على شعرية القصيدة الحديثة بالمغرب ، وهي ضمنيا تنطوي على احترام كبير وتقدير بالغ لمختلف الأسماء الشعرية المغربية سواء من الذين ذكرت أسماءهم بالكتاب أو الذين لم يتيسر لي استحضار أسمائهم . وهذا الكتاب بالنسبة إلي هو مرتكز نقدي أولي لتأليف قادم بعنوان " الأنطولوجيات الشعرية المتغايرة " وهو قيد الطبع سيتسع فيه المجال لاحتواء محيطي يهتم بمدارسة المتن العام للتجربة الشعرية المغربية من عقد السبعينات إلى مشهدها الراهن .
     تنهل الإجرائيات النقدية والنظرية لهذا الكتاب من صلب " البويطيقا المنفتحة " وهو مفهوم استعرته من كتاب جون برغوس المعنون " نحو بويطيقا للمتخيل " ( ) الذي يقوم على دراسة الإواليات الأساسية لاشتغال متخيل النصوص الشعرية وانبناءاتها البلاغية والرمزية ، هذا المؤلف الذي اعتمد بدوره مرجعا آخر لهنري موريين بعنوان "المعجم الشعري والبلاغي " ( ) .
     لكن تجدر الإشارة إلى أن المفاهيمية النقدية للكتاب تحيط بمتن نظري ونقدي واسع سيتلمس القرائ خرائطيته في قراءة الكتاب ، والأبرز فيه هو التوأمات التي ننسجها بين الدراسات البويطيقية ، والدراسات المنكبة على مدارسة حقول المتخيل الشعري ورمزيات التشخيص لدى دراسي بنياته الأنتروبولوجية أو ميكانيزمات اللاوعي أو الخيال الرمزي .
     إذا كانت النقديات الما بعد حداثية في أعمال م . فوكو وج . دريدا قد أرست مفاهيم نقدية تفكيكية حول سؤال " الهوية " و" الميتافيزيقيا " وانبناءات " الإبستيمي الإختلافي " على مبدأ النفي المطلق لـ " الذات " ( ) فلست أذهب إلى هذا الحد من القراءة والتأويل. وأفضل أن أبقى هابرماسي الموقف معتبرا أن مفهوم " النفي " (La Négation) ليس العدم الكامل لـ ( الذات ) ، فالاختلافي والغيري يتحدد من خلال منظومة قراءة حوارية بين " الذات الشعرية " و" ذاكراتها الشعرية " ، ثمة النص وثمة " الطرس " الجامع لهويات القول الشعري . والكتابة الشعرية الاختلافية والغيرية تتموضع في المسافات البرازخية بين الأوعياء الذاتية والجمعية وفي عبرنصيات الكتابة وتمثلاتها لـ " الذات " و" الواقع " . كل كتابة مهما اختلفت منظوماتها الأجناسية هي " مجا ز" و" تخييل " تقول " الأنا الشعري" في موضعة تامة ب " غيراته " و" مضاعفاته " و" تمثلاته الرمزية " في نص مطلق الذاكرة الشعرية .
    يقول محمد بنطلحة :
    " لا هذا مهد
    ولا هذا تابوت
    الظلال بيضاء
    والعنقود الذي تركناه
    قبل أن تغمض عيوننا
    على شكل مخطوط
    هو ذا
    تصفحوه إن شئتم
    لوحده
     مكتبه كبرى "
    الرمزية التخييلية لـ " الذات "  تضع الأنا الشعري في المسافة المابينية بين هوية ذات سياق تاريخي محدد وهوية منفتحة على مطلق الوعي الإنساني بكينونتها ( الذاكرات الشعرية / المكتبة الكبرى / الهويات الغيرية المؤسسة ) ، هناك حيث يتم تمثل الهوية لدى الشاعر في قوله :
    " ثمة
     حيث كل قطرة محيط "
    يميز رولان بارت بين مفهومين للمؤلف ، وهما "l’ecrivain" و"l’ecrivantt". الأول يضيف قيمة مضاعفة في كتابته إلى الإرث الكتابي والثاني " ناسخ " والكتابة عنده فعل أرتزانالي لأنه يعيد إنتاج " كتابة جاهزة " في قالب يحكمه التماثل . وفيليب لوجون في مؤلف الثاني حول السيرة الأدبية (Je est un autre) يقول في المقدمة قولا بليغا : "ل ا يصير المؤلف مؤلفا إلا مع صدور كتابه الثاني " .
     لا أريد أن أغوص في تحليل نصي حول تمثلات بارت أو لوجون لـ " هوية المؤلف " ، لكن المثير لدينا هو هذا الانشغال المفاهيمي بتحديد مفهوم " الهوية الأدبية " سواء في تيار النقد الجديد (La nouvelle critique) أو لدى الدارسين لـ " شعريات الأجناس الأدبية " أو لدى من نظروا لمفاهيمية " النقد الثقافي " ، والعميق في كل هذه التوجهات هو الانتباه إلى هذا الإبدال المتمثل في النظر إلى المؤلف ك " هوية نصية " لا ك " هوية إيديولوجية " كما دأبت منهجيات النقد التاريخي والنقد الإيديولوجي والبنيوية التكوينية تتمثل هذا المفهوم.
     كل الاشتغال النقدي في أعماق عبد الفتاح كيليطو انكب على استجلاء مفهوم " الهوية الإبداعية " من خلال " الأثر التناصي " وعلاقة النص بذاكرته التي تشكل الرشيف الرمزي الجينيالوجي لوعي الكتابة بهويتها الذاتية والجمعية ( انظر كتابية : " الكتابة والتناسخ " و" الغائب " ) ، ومحمد مفتاح الذي عبر مسار متعددا من السيميائيات و الشعرية و تداوليات الخطاب انتهى في " مجهول البيان " إلى نظرية العوالم الممكنة وقراءة الـ " هويات الإبداعية " في تعالقاتها بشجرة أنساب المتخيل و متعاليات النص الثقافي .
     لقد أحدثت الدراسات المنجزة في حقول المتخيل الأنتربولوجي ( يونغ ، ومارسيا إلياذ ، ورونيه جيوار ، وجلبير دوران ) وأيضا مناهج التحليل النفسي للأدب ( من الاتجاه الفرويدي الذي يربط النص ب " لا وعي الكاتب " إلى الدراسات التي اهتمت ب " لا وعي النص " كما هو الحال لدى ج . ب نوييل ) بالإضافة إلى الابستيميات الاختلافية لفكر ونقد ما بعد الحداثة إلى إرباك كلي لمفهوم المؤلف و" الذات التاريخية " ، حيث من خلال مفاهيم كبرى مثل الأنماط الرمزية والبدائل الأسطورية ، ومفهوم اللاوعي، والحفريات الأركيولوجية للذاكرة الثقافية تشكل وعي ب " الذات " يستقرئ الهويات لا في النظائر والأشباه وتمثلات الشبية ، ولكن في أنساق الغيريات والعبرنصانية والأثر العائد، والوعي التنسيبي الذي يكتسب تمثلات حدودية مابينية بين النص ومطلقة الأدبي، وبين الذات وطرس الذاكرة ، ويقرأ الهوية في استعاراتها الرمزية الكونية .
    حني نقرأ من شعر فرناندو بساوا :
    « Emissaire d’un roi inconnu
    J’exécute d’informes instructions de l’au- deta
    Et les brusques phrases qui me viennent aux levres
    Font resonner en moi autre sens étrange
    Inconsciement je me divise entre moi et la mission qui m’incombe … » ( ).
    وقوله :
    “Moi qui, si souvent me sent aussi reel q’une métaphore ».( )
     فإننا نجد أنفسنا في سياق " أبجدية ثانية " ( عنوان الديوان الشهير لأدونيس الذي تجاوز فيه التمثلات النسقية للهوية الشعرية كما يجسدها أنموذج ديوانه " المسرح والمرايا " ) .
     ثمة " وعي اختلافي " بمفهوم الهوية الشعرية لدى ف. بيساوا أو لدى أدونيس في " أبجدية ثانية " ، وهو ذات الوعي الاختلافي للتأسيسات الجمالية في الكتابة الشعرية لدى محمد بنطلحة ما بعد ديوانه الأول ( نشيد البجع ) ، وأيضا في العديد من التجارب الشعرية المغربية الحاملة لهذا النزوع الاختلافي الذي قيمته الجمالية تتحدد في الانزياح المغاير والمفارق لـ "شعرية النفي " .
     هذا النزوع الاختلافي راهن على مبدأ المغايرة من خلال كتابة شعرية حاولنا إبراز اشتغالها من خلال مفهومي : "الغيرية" كتمثل للذات الشعرية من خلال "الآخر" / l’Autre المتعدد في مرايا الذاكرة الشعرية و"الكتابة العائدة" (La réécriture) التي تصل النص الشعري ( كما الهوية الشعرية ) بالتجسيدات ( الأب (ج) دية ) الطرسية للقول الشعري.
    هذا النزوع الاختلافي بكل تأسيساته الجمالية على مفهوم " الكتابة العائدة " (la réécrituree) متجاوزا الحد الإجرائي لمفهوم التناص كما وضعته لأول مرة جوليا كريستيفا ، وأيضا يتجاوز التصور الوارد لدي ميشال ريفاتير ليتموضع في مفهومية خرائطية عبرنصانية، التي كما يقول ميشال لافون " تعيد إنتاج المعني في التخوم البرازخية لترحل الذاكرات الشعرية بين النفي والعدم " ( ) .
    محمد علوط (الدار البيضاء - 20166)
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: مقدمة نظرية لكتاب" شعرية القصيدة المغربية الحديثة / التأسيسات الجمالية " تأليف محمد علوط Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top