src=' سيرة اليتم : زهرة عز (*) - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الاثنين، 9 يناير 2017

    سيرة اليتم : زهرة عز (*)

    وقف الطفل سعيد وقد شاخ قبل أوانه، ينظر من زجاج المطعم، في يده علب مناديل وعلكة، وورقة خمسين درهماً كان قد عثر عليها بين السيارات. وقف ينظر ولعابه يسيل
    من رائحة الأكل المنبعثة من الداخل. كان سرواله متسخاً، به ثقوب كبيرة وقميصه أضاع لونه الأخضر وهو يحترق تحت شمس عين الذياب. شعره منفوش، مبعثر لم يعرف المشط طريقاً إليه منذ مدة، يغطيه غبار الطريق. كاد وجهه الجميل أن يختفي وراء هالة سوداء بفعل دخان السيارات والحافلات. نظر بعينيه الواسعتين اللتين لم ير بهما سوى الشقاء والبؤس، منذ طرده زوج أمه القبيح، خارج البيت، بعد أن تمنع عليه وصد تحرشاته. كان يرغب في وجبة ساخنة، لطالما حلم بها كلما مر من المكان. ظل متردداً، يخطو خطوة، ويتراجع خطوتين.
    من خلال زجاج المطعم، أسر وأطفال يبتسمون ويأكلون. تلمع سحنتهم من النظافة وثيابهم جميلة. نظر إلى قدميه وقد تسمرت في مكانها، تأبى التحرك، كانت خجولة من حذاء متهرئ، يطل أصبع يتيم منه يرغب في استنشاق الهواء بعد أن خنقته رائحة الحذاء. جر رجليه جراً وتوجه نحو الباب يبغي الدخول، اعترضه حارس المطعم، شاب مفتول العضلات، قاسي النظرة،
    فين غادي، سير بحالك ولا غادي نجمعها مع مك 
    صرخ فيه الحارس.
    _ بغيت غير ناكل، عندي فلوس
    رد سعيد، متلعثماً، خائفاً.
    كانت هناك، جالسة في صمت، تأكل وعيونها ناعسة، ليلة طويلة وحفلة ماجنة كانت هي بطلتها، تلذذ على جسمها غريب عنها وعن البلد. واستباح كل مكامنها. تأكل بسرعة، تريد أن تعود لشقتها الصغيرة التي تكتريها بإحدى عمارات المعاريف كي تغرق نفسها في الصابون.. قد تنظف. ترامى إلى سمعها صراخ الحارس، ورجاء الطفل البائس، وفجأة رأته.. رأت ابنها الذي تخلت عنه في ليلة باردة داخل المستشفى، لم تعرف له طريقاً بعدها، فضيحتها التي حاولت درءها عن أعين الناس، تراها أمامها، ربما يكون هو  فلذة كبدها. قفزت من مكانها غير آبهة لا بحقيبتها ولا بتليفونها، مكتبها المتنقل..
    كان الحارس يدفع بعيداً الطفل خارج محيط المطعم. 
    _ خلي عليك الولييد، راه معايا
    صرخت فيه جميلة 
    _ الله يهديك أجميلة، أنا لي عارفهم، شفارة..
    _ أنا مسؤولة عنه وهو في عهدتي،
    _ كما تريدين، أظنك فقدت عقلك تماما.
    قال لها الحارس مستهزئاً. لم تكترث جميلة له، أخذت الطفل من يده وسحبته إلى الداخل.. كان سعيد ينظر إليها بعينيه الكبيرتين، يدها تحضن يده، وكأنه في حلم جميل.. إنها الأميرة الجميلة وهو الشحات الذي ستغرم به،، فابتسم.
    _ آجي بعدا غسل إيديك ووجهك، قبل ما تاكل.
     وشوشت له جميلة بحنان. دعكت وجهه ويديه بالصابون حتى ذهبت القذارة منهما. صففت شعره بمشطها وحاولت نفض الغبار من على هندامه، لكنها لم تستطع شيئاً.. جلست أمامه وهي تنظر في جماله وحروفه الدقيقة، عيون كبيرة، أنف رقيق، فم صغير وأسنان متراصة بيضاء.. كانت خصلات من شعره الأسود تغطي جبينه، وفكرت:
    _ كيف يلقى بهذا الطفل إلى الشارع عرضة للذئاب؟ مع من تعيش؟
     _ أعيش وحدي أنام بالرصيف وتحت السيارات، عندما أهرب من المتحرشين بي.
     قال سعيد بصوت خافت خجول.. حكى لها قصته مع زوج أمه. 
     كان يتعرض للإهانات والضرب اليومي، وكان يتحمل حتى يبقى قريباً من أمه، لكنه يوم حاول التحرش به واغتصاب براءته وطفولته، وعندما صده، طرده من بيت أبيه..
    _ لو لم يطردني لكنت ذهبت وحدي.
     أضاف سعيد. كانت دموع جميلة تغطي وجهها، وهي تستمع لمأساته، وكان هو يقبل على الأكل بخجل في البداية ثم بعد أن استراح لجميلة، انقض عليه بشراهة، لطالما رأى هذه الوجبة في حلمه، أمنية تؤنس وحدته وتشعره بالدفء في ليال باردة.
    _ لن تكون وحيدا بعد اليوم، انتظرني ليلاً، قرب المكان، سأحضر لك معي ملابس جديدة ونأكل معا 
    لربما وجدت حلا لضياعك؛
    وكانت ستضيف:
    لربما مساعدتك حل لضياعي.. . 
    في المساء، كان سعيد سعيداً وهو ينتظر جميلة، انتظرها لساعات حتى يئس، واشتكت كل ضلوعه. كانت هذه الليلة أكثر سواداً وظلاماً... لم يكن يعلم أن جميلة نقلت للمستشفى، أصابها فجأة ألم الكلى حتى فقدت الوعي.. وهو ينتظر ويحلم بملابس جديدة وبمائدة مليئة بما لذ وطاب وبوجبة المطعم الشهي، تمهلت سيارة سوداء، طويلة، من السيارات التي لا تراها إلا في الأفلام وصفحات المجلات، أطل رأس ضخم، يضع سيجاراً بين شفتين مزرقتين. ابتسم ابتسامة صفراء، وقال
    _ هل ترافقني،،؟
    _ سأنظفك وألبسك ثياباً جديدة وأطعمك.
     لم يهرب سعيد كما هي عادته، كلما اقترب منه متحرش. نظر في عينيه الضيقتين يكاد الفجور ينط منهما، وأجابه:
    _ كم ستعطيني من نقود؟؟...
    ثم رمى علب المناديل والعلك على الأرض، وصعد إلى السيارة... 

    (*) كاتبة مغربية مقيمة بكندا
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: سيرة اليتم : زهرة عز (*) Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top