src=' المسيحُ المنتظَرد. محمد منصوري - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الجمعة، 6 يناير 2017

    المسيحُ المنتظَرد. محمد منصوري

    من منا لم يسمع بقصة المسيح؟ المخَلِّص الذي انتظرته اليهود لسنوات طويلة، فلما ظهر فيهم كذبوه وصلبوه، أو "شُبِّه لهم"، وبعد حين صدقته الروم واعتبروه ابنالله، وكأنهم
    يُذكِّرونا بأنصاف الآلهة. نفس المسيح وعد أتباعه بظهور جديد فأخذوا يترقبون عودته ويرصدون علامات الظهور جيلا بعد جيل. والغريب في الأمر أن المسلمين كذلك آمنوا بعودته، أو بالأحرى بِ "نزوله"، وهم أيضا لهم علاماتهم وإشاراتهم التي تدل عليه وعلى اليوم الموعود والساعة المنتظرة. فمن يا ترى سيتعرف عليه ويؤمن به وقت ظهوره من بين الأديان الثلاثة؟
    فلو جاء المسيح مرة أخرى بغير شريعة موسى، كيف ستؤمن به اليهود وقدكذبوه في المرة الماضية؟ ولو جاء حاملا صليبه ذات الشمال وإنجيله ذات اليمين،من كان ليؤمن به من بين المسلمين؟ لأن الأمرسيكون أشبه برِدَّة جماعية. ثم إذا جاء على دين الإسلام مُردّدا آيات القرآن فمن سيؤمن به من بين اليهود والمسيحيين، والقرآن يتلى على مسامعهم منذ مئات السنين. هذا، إن لقي عند المسلمين أنفسهمآذانا صاغية. أما إذا أحيى السبت من جديد ونادى في"شعب الله المختار"، فما حاجتنا به نحن "الأغيار"؟ وكيف يعود على ملة اليهود وقد عذبوه أول مرة وأنكروا عليه ما جاء في الأسفار؟... يا لها من قصة غامضة ألهمتنا في الصغر وحيرتنا ونحن كبار !!
    بحلول الألفية الثالثة لم تعد هذه المسألة تحظى بنفس الاهتمام والدعاية. فقد طال الانتظار كثيرا وبدأت الأجيال الصاعدة تشكك في حقيقة القصة، بل وفي حقيقة النص الديني بكليته. وبغض النظر عن دين المسيح حين عودته والهدف من دعوته، يبقى السؤال مشروعا حول شكله وماهيته ناهيك عن كيفية ظهوره. فمن يكون المسيح المنتظر في مخيلة البشر الذين آمنوا بهوبظهوره من جديد؟ هل هو نفس الشخص الذي يتوسط لوحة "العشاء الأخير" لليوناردو دافينشي، وهي اللوحة التي تتزين بها الكنائس ويعتز بها المسيحيون؟ وهل سينزل من السماء في مشهد سريالي خارق للعادة ولقانون الطبيعة كما يتصور ذلك المسلمون؟ أم أن في الأمر تشابها ومجازا، ويحتاج لكثير من التمعن والتفكر بعيدا عن التعصبوالأوهام والمسبق من الأحكام؟وأنا بطرحيلهذا السؤال، لا أدعي الحجة والبرهان ولا أجادلكم بما جاء في التوراة والقرآن، وإنما أدعوكم لإعمال العقل قبل ترديد نفس الكلام.
    مثلا في"العهد القديم"1يتموصف مشهد قدوم المسيح كملك مدعَّم بجنود الملأ الأعلى وملائكة السماء، قادما من فوق الغمام ليخلص اليهود من أسرهم وذلهم ويجمع شملهم من جديد ويُعيد لهم مجدهم العتيد. ويبدو أن شخصية "عيسى" أو "يسوع"وحياته البسيطة لم تَرُق لعلماء اليهود وأحبارهم هُم الذين ينتظرون قدوم الملك، أو لأنه غير شريعتهم معلنا بداية عهد جديد.المهم أنه لم يؤمن به إلا القليل ممن عاصروه رغم ما رُوي عنه من "معجزات" و "كرامات"من المفترض بها أن تقطع الشك باليقين. نفس "الكتاب المقدس" سنجدهيتحدث عن عودة المسيح مرة أخرى في آخر الزمان ولكن"باسم جديد".
    أظن أن هذا أكبر دليل على أن الأوصاف المذكورة في "الكتب" الدينية هي تعابير مجازية يلفها الغموض من كل جانب، فهي مليئة بالرموز والإشارات الخفية ولا تُفهَم بظاهرها ومعانيها المادية. ولذلك لا عجب أنَّ اليهود لا زالوا ينتظرونظهور المسيح "الحقيقي" في نسخته الأولى، قبل الحديث عن عودته مرة ثانية. فهل سيرتكب المسيحيون والمسلمون نفس "خطئهم" في هذا الظهور الجديد؟يبدو لي الأمر كذلك!فمجرد الحديث عن ترقب "نزوله" من السماء يعيد للأذهان مشهد الملك الموعود الذي انتظره مَجمع اليهود.بالإضافة إلى ذلك، هل يُعَدُّ النزول من السماء،وفي وقتنا هذا، شيئا خارقا أو مستحيلا حتى يكون دليلا على صدق المسيح المنتظر؟
    كما أننا نجد نفس قصة المسيح أو ما شابهها في مختلف الديانات الموجودة. فمن ينتظر عودة بودا ومن ينتظر ظهور المعلم الكبيرومن ينتظر القائم وصاحب الزمان، كلها أوصاف لظهور عظيم يتجدد به الدين، فتنعم الأرض بالراحة والأمان. ثم بعد ذلك تكون النهاية وتقوم القيامة، لنتساءل بكل تلقائية:وما الهدف من كل هذا العناء؟ إلا إذا كان فهمنا للقيامة، أيضا، فهما خاطئا ولا يعني بالضرورة الفناء.
    في النهاية نجد أن الديانات الإبراهيمية الثلاث، على الأقل، تؤمن باقتراب ظهور مبعوث إلهي جديد،أو متجدد، يتزامن ظهوره مع مجيء القيامةونهاية الزمان. وسواء عاد المسيح ابن الله أو عاد لنا ابن الإنسان، فهذا خير دليل على استمرار الوحي وتجدد الأديان. وإذا صرنا اليوم نشكك في الأمر ولا نذكره كثيراكما كنا في السابق، فربما لأننا لم نعدنعرف شيئاعنالمسيحالمنتظر. ولا ندري إن كان علينا أننتحرى الحقيقة بأنفسنا أم نتبع علماءنا كما يفعل سائر البشر؟
    فكيف لنا أن نهتدي إلى حضرة المسيح لو تجلى لنافي يوم من الأيام؟ ثم من قال بأنه لم يَمُر بالقرب منا مثلما يمرُّ "السارق في الليل"2والناس نيام؟

    1.العهد القديم هو الجزء الأكبر من الكتاب المقدس ويحتوي على جميع كتب اليهود بما فيها التوراة (الكتب الخمسة الأولى) وأسفار الأنبياء
    2. Thief in the Night: The Case of the Missing Millennium by William Sears

    docteur.mansouri@gmail.com

    Facebook| @mansouriblog
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: المسيحُ المنتظَرد. محمد منصوري Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top