src=' المتلقي وإشكالية الأجناس الأدبية الرقمية : د.أحمد زهير الرحاحلة* - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    السبت، 7 يناير 2017

    المتلقي وإشكالية الأجناس الأدبية الرقمية : د.أحمد زهير الرحاحلة*

     إن من أهم الإشكاليات التي تتصل بمفاهيم المتلقي، وشروطه ووظائفه الجديدة الإشكالية التي تحيل إلى النص الإبداعي الرقمي ذاته، ذلك أن التشكيلات البنائية التي تتمظهر فيها هذه النصوص تختلف من نص أدبي إلى آخر، ومن جنس أدبي إلى جنس أدبي، هذا على افتراض أن مفاهيم الأجناس الأدبية السائدة والمألوفة ما زالت قادرة على التعبير عن الأشكال الإبداعية الرقمية، وقد حاول كثير من النقاد والدارسين تقسيم الأجناس أو الأشكال التي تندرج تحت تصنيفات الأدب الرقمي، ومنهم من اجتهد في حدود النماذج والتجارب المتاحة، ومنهم من أخذ عن غيره، ولم يهتم بالتثبت من هذه التقسيمات، ومن تلك المحاولات ما نقف عليه عند فاطمة البريكي التي لم تغادر فلك الأجناس الأدبية التقليدية المعروفة، وتحدثت عن: القصيدة التفاعلية، والمسرحية التفاعلية، والرواية التفاعلية ( )، ولا نستطيع إلا إنصاف الباحثة والثناء على الجهد الذي بذلته في التأسيس لمفاهيم وأنواع أدبية جديدة كل الجدة على المتلقي والمبدع العربي، لكننا مع ذلك ننتفع بما وصلت إليه ونبين أن هذا التقسيم يعتمد على الأنواع السائدة والمألوفة من الأجناس الأدبية بعد أن ارتدت حلة عصرية، وتلبست بلبوس التكنولوجيا. وقد تكون هذه الأنواع سهلة المأخذ والفهم من قبل المتلقي الذي يفهم دلالة (القصيدة، والمسرحية، والرواية) ويبقى عليه مهمة استيعاب الوسيط الجديد الذي تقدم عبره، واشتراطات (التفاعلية) التي باتت تتطلبها الأشكال الجديدة، ولعل هذا ما دفع بعض النقاد ليرى أن المسألة لا تتجاوز أن تكون " أيقونات جديدة لمحتويات قديمة، القصيدة الإلكترونية هي:  ماضٍ بصيغة العصر،  ومنظور قديم برؤية ولغة معاصرة، فإذا ما حاولنا تصنيف كل عصر بلغة مخصوصة ينماز بها ويتفوق وينتج فتكون هي صورته التي بها ينماز ما بين العصور فإن نهايات القرن العشرين ومطلع الألفية الثالثة هي عصر التكنولوجيا والاتصالات بكل أشكالها وأنواعها واستعمالاتها وأهدافها" ( )، وقريب من هذا الرأي نجد من يرى :" أن أدق مصطلح للتعبير عن هذا الأسلوب الجديد في عرض النص الأدبيّ هو مصطلح الأدب الرقمي، لأن الجدة تكمن في طريقة عرض هذا الأدب من خلال النظام الرقمي الثنائي الذي يقوم عليه جهاز الحاسوب؛ وبذلك يمكننا القول إن سمة التفاعلية بهذا المعنى هي أمر مستحدث جزئيا وليس جذريا، أي مستحدث فقط في طريقة تلقي النص من خلال التعامل مع التكنولوجيا" ( )، ونحن في هذا السياق لا نقصد اتخاذ موقف من مصطلح "الأدب الرقمي" وأجناسه، بقدر ما نتوسل بذلك إلى بيان الآراء والأنظار التي عاينت تشكيلات النصوص الأدبية الرقمية، وأثر ذلك في المتلقي واستجابته للتفاعل مع هذه النصوص.
        وإذا كان تصنيف فاطمة البريكي لهذه الأجناس الرقمية تقليدياً إلى حد ما، فإننا نجد تقسيما مختلفا ومغايرا عند الناقدة الرقمية عبير سلامة، ففي محاولتها الإجناسية لأنماط السرد الرقمي تقول الباحثة:" إذا استعرنا مظلة "الأدب الرقمي" السابق ذكرها - مستبدلين مفردة الرواية بالأدب - نستطيع اقتراح مفهوم للرواية الرقمية مجمله أنها: نوع أدبي جديد نشأ بعد إنتاج أجهزة الكومبيوتر الشخصي وتطور برمجياتها، ثم تمايز فرعيا بتأثير شبكة الإنترنت، ليمثل اليوم مظلة عريضة تنضوي تحتها أطياف متعددة، يمكن تمييزها مؤقتا على النحو التالي( ) : 
    أولا: الرواية الرقمية الخطية.
    ثانيا: الرواية التشعبية ويتفرع منها: 1- النصية 2- متعددة الوسائط، ويتشعب منها: أ-المرئية ب-المسموعة
    ثالثا: التفاعلية ويتفرع منها: 1- النصية. 2- متعددة الوسائط. 3- الافتراضية.
         وتبذل الباحثة جهداً طيباً في توضيح كل نوع من الأنواع التي أشارت إليها، وتحاول ذكر نماذج لها - إن كان هناك نماذج تمثلها – ومع ذلك نجدها تعود للقول بعد كل هذا الجهد :" سيبدو هذا التقسيم لأطياف الرواية الرقمية تعسفياً، إن لم نضع في اعتبارنا اختلاف تقدير مفهوم النص المتشعب ومدى "التفاعلية" Interactivity، هل تتحقق بمجرد استخدام تقنية الوصل المتشعب في النص؟ أم باشتباك القارئ مع النص بفعل (الإضافة، الحذف، التعديل، إلخ)؟. وهو - التقسيم - تعسفي، إن لم تكن غايته السعي لمفهوم ضد يتسق أكثر مع فعل الإنترنت: إعادة توزيع مستمرة لألحان ثقافية متباينة ومتعددة"( )، لكن الإشكالية التي يمكن أن يثيرها هذه التقسيم لدى المتلقي تبرز من عدة جوانب، أبرزها: الاختلاف – إلى حد التعارض مع التقسيمات الأخرى – تقسيم البريكي على سبيل المثال، وظهور أنماط وأنواع متعددة كثير منها ليس مألوفاً في الأشكال الأدبية السائدة لا من حيث الشكل ولا المضمون، وغياب النماذج المعبرة عن بعض الأشكال والأصناف المذكورة، والأهم أن كل نوع من الأنواع أو الأقسام السابقة يجعل مفهوم المتلقي وشروطه متغيرة وليست ثابتة، ويجعل كذلك الوظائف والمهام الملقاة على عاتقه مختلفة وغير ثابتة أو محددة.
         ومن الدراسات الجادة التي نجد فيها وقفة متأنية ومعالجة موضوعية لأشكال الإبداع الرقمي، دراسة إيمان يونس الموسومة بـ " تأثير الإنترنت على أشكال الإبداع والتلقي في الأدب العربي الحديث" وفي الباب الثاني من الكتاب تذهب الباحثة إلى تقسيم النصوص الرقمية إلى قسمين، البسيطة والمركبة، وتشفع كل قسم بنماذج مناسبة، ومن التقسيمات التي نقف عليها في الفصل الثاني من الباب الثاني:" الشعر البصري الرقمي الذي يتفرع عنه نوعان: أولهما يعتمد على توظيف مؤثرات بصرية وثانيهما يعتمد على توظيف مؤثرات بصرية وسمعية، ثم الشعر الجمعي، وأخيرا النصوص التفاعلية المختلفة التي تتفرع إلى رواية/ قصة تفاعلية، ورواية الواقعية الرقمية التفاعلية، ثم الشعر التفاعلي" ( )، ونشير هنا – إلى جانب ما سبق- إلى دراسة السيد نجم الموسومة بـ : "النص الرقمي وأجناسه" التي بذل فيها جهدا طيبا في الوقوف على الأجناس المتاحة ونماذجها التطبيقية( ) وإن لم يفارق كثيرا الفلك الذي دار فيه النقاد الذين سبقوه.
         وهناك بعض التقسيمات والأنواع التي تصدى لوضعها مؤسسات وهيئات دولية متخصصة في هذا المجال، نذكر منها على سبيل المثال بعض التصنيفات التي وضعتها منظمة الأدب الإلكتروني Electronic Literature Organization ( )، ومنها:
    - الرواية والشعر التشعبي داخل وخارج الشبكة العنكبوتية.
    - الشعر الحركي الذي يقدم في فلاش أو يوظف منصات أخرى.
    - الإنشاءات الحاسوبية الفنية التي تطلب من المشاهدين قراءتها،أو التي تحمل جوانب أدبية.
    - شخصيات المحادثة، والمعروفة أيضا باسم chatterbots .
    - الروايات التفاعلية .
    - الروايات التي تأخذ شكل رسائل البريد الإلكتروني، الرسائل القصيرة، أو المدونات . 
    - القصائد والقصص التي تم إنشاؤها بواسطة أجهزة الكمبيوتر، إما بشكل تبادلي أو بناء على معايير معينة.
    - مشاريع الكتابة التشاركية التي تسمح للقراء بالمساهمة في نص العمل.
    - الأداءات الأدبية على الانترنت التي تطور طرقا جديدة للكتابة. ( )
    وهذه الأنواع والأشكال تتقارب وتتباعد في مواضع عدة مع التقسيمات التي أوردناها، ونستشهد بالتقسيمات الماضية إلى بيان جزء مهم من إشكاليات المتلقي الرقمي في هذا السياق يمكن إيجازها في الآتي:
    غياب الاتفاق على الحدود النهائية للتشكيلات الإبداعية الرقمية.
    اختلاف المفاهيم والدلالات المعبرة عن التشكيلات المتفق عليها.
    قصور الجانب التمثيلي وقلة التجارب المعبرة عن التشكيلات البنائية المقدمة.
    إغفال موضع المتلقي في معادلات الإبداع المؤسسة للتشكيلات البنائية المقترحة أو المتفق عليها.   
          إن جزءا آخر من إشكالية المتلقي في الأدب الرقمي يتأتى من الاشتباك مع مفهومه ووظائفه استنادا إلى مرجعيات نقدية سابقة للإبداع الرقمي، ولعل هذا ما دفع بعض المبدعين والنقاد إلى التصريح بقصور أو عجز النظرية النقدية قبل الإبداع الرقمي، وفي هذا السياق يقول رائد الإبداع الرقمي العربي محمد السناجلة: " كيف يمكن أن تحدد هكذا كتابة بجنس أدبي استنادا إلى نظريات نقدية سابقة لم تعرف التحولات التي أحدثتها الثورة الرقمية على الكون والإنسان والوجود؟"( ) وإذا تأملنا في مثل هذا الطرح فيمكن أن نفهم منه بعض الأمور منها: أن النظرية/ النظريات النقدية قبل الرقميات لم تعد صالحة لاقتحام كثير من عوالم النص الأدبي الجديد، وكذلك فإن المصطلحات والمفاهيم النقدية الرائجة استعمالا لم تعد بذات الحمولات الدلالية، وعند هذا الحد تصبح الحاجة ماسة للمناداة بنظرية نقدية جديدة كل الجدة، بعد أن ظهر من يقول :" نحن بحاجة إلى جنس أدبي جديد ، ليس هو بالرواية وليس بالشعر وليس هو بالمسرح ولا السينما، ولا أيضا اللغة التقنية الجديدة بل هو مزيج من كل هذا معا ، كتابة جديدة عابرة للأجناس الأدبية السابقة، وعصية على التجنيس إن نحن حاكمناها باستخدام النظريات النقدية السابقة. ذلك أننا أمام لغة (كتابية) جديدة ومختلفة لم تعد الكلمات سوى جزء من كل فيها، كتابة تجد فيها الصورة والحركة والموسيقى والأغاني والمشهد السينمائي وفن الجرافيكس وبرامج تقنية متعددة ومختلفة إضافة إلى الكلمة" ( ).
         ولم تقف مثل هذه الدعوات عند حدود المطالبة بالقطيعة مع الأجناس والأشكال الأدبية المألوفة لدى المبدعين والكتّاب، بل إننا نجد دعوات مقاربة على مستوى الممارسة النقدية التفاعلية الرقمية، يعلو فيه الصوت مطالبا بإلغاء كل ما هو سائد ومألوف من النظريات النقدية، والتوجه نحو نقد رقمي يناسب التحولات وحجمها وشكلها، ويلخص ذلك أحد النقاد بقوله:" نحن بحاجة إلى قراءة نقدية إلكترونية تفاعلية، تضاهي طبيعة القصيدة الإلكترونية التفاعلية، وإلا كانت قراءة تقليدية لنص غير تقليدي ولا مألوف ولا مهيأ لمعظم القراء، وسيتعذر على القارئ متابعة ما نقدم إليه إلا في نطاق نخبوي ضيق" ( )، وقريبا من هذا الرأي يقول محمد المبارك:" المفهوم التقليدي للنقد وآلياته لم يعد يصلح لمقاربة النص الجديد، ...، فنظرية القراءة حتى وإن ارتبطت بالأدب المطبوع فهي لا تزال غضة طرية وما زال الكلام فيها متسعا وقد يحمل بعض نقادها المتحمسون شتاتها ليلقوه إلى ذاكرة القرن الواحد والعشرين"( ) 
         مما لا شك فيه أننا سنجد نصوصاً رقمية – ومن خلفها مبدعها- لا تتيح للمتلقي/ المستخدم إنجاز الوظائف الجديدة القادرة على تحقيق التفاعلية الرقمية الجديدة، وعند هذا الحد يمكن لنا تقسيم الأشكال الإبداعية الرقمية إلى شكلين كبيرين:
    - الأعمال الإبداعية الرقمية القابلة للتجنيس.
    - الأعمال الإبداعية الرقمية المستعصية على التجنيس.
    وفي حدود الشكل الأول سنبقى نعاين أنواعا مألوفة ضمن الأجناس السائدة كالشعر والسرد والمسرح، لكنها هذه أيضا لا تجتمع تحت مظلة واحدة، وستختلف مستويات تحقيق مفهوم المتلقي ووظائفه فيها باختلاف مستويات توظيف التكنولوجيا والتطبيقات الرقمية والتقنيات السمعية والبصرية والحركية وغيرها، إلى جانب المساحة التي تتيحها للمتلقي للمشاركة التفاعلية.
    أما الشكل الثاني، فسيكون من الصعب الحديث فيه عن مفهوم محدد للمتلقي، أو عن وظائف محددة تناط به، بل إن هذه الأشكال ذاتها لم تتبين حدود الاشتغال الإبداعي فيها، أو الخصائص المميزة لها والسمات الأدبية التي تحتويها، وعلينا الانتظار حتى تظهر الأشكال الممثلة لها وتستقر وتشيع.
    ومن الإشكاليات التي رافقت هذا المحور ما صاحب الحديث عن خصائص النص الجديد، ومنها الحديث عن مفهوم "تعدد القراءات"، ومبعث هذه الإشكالية الاختلاف بين الدلالة السائدة والمألوفة لمصطلح "تعدد القراءات" وواقع الحال في النص الجديد، ففاطمة البريكي على سبيل المثال تشير إلى "تأكيد نظريات القراءة والتلقي فكرة تعدد التأويلات، واختلاف القراءات باختلاف القراء، وفي ذلك إشارة إلى نفيها أحادية معنى النص"( ) .
    لكن المتأمل في هذه المفاهيم والأنظار يجد أنها تتضمن اختلافاً ولبساً في الوقت ذاته، ذلك أن الحديث في نظرية التلقي ينطلق من فرضية مؤداها أن هناك "نصا" واحدا تتعدد القراءات له، وتتعدد تأويلاته وتفسيراته من قارئ لآخر، أو حتى على مستوى القارئ ذاته، لكنه يمثل على نحو ما مرجعية واحدة وثابتة لتعدد القراءات وانفتاح الدلالات، ويستطيع حتى القارئ الواحد أن يعود في أي وقت ليقرأ النص قراءة جديدة، ويغير من فهمه، ويعدل من تفسيراته وتأويلاته.
    لكن "النص الجديد" - وتحديدا الذي يرتكز على تقنية "التشعيب" - في سعيه لنفي الخطية يبدأ في أحيان كثيرة من نقاط ومداخل متعددة، ويخلق مسارات مختلفة، وقد لا يكون له نهاية محددة، يقول سعيد يقطين:"إننا هنا أمام اللاخطية أو تعدد الأبعاد الذي يعطينا فرصة الانتقال في "فضاء" النص بطريقة حرة لا تراعي تسلسل أجزائه ومقاطعه، الشيء الذي يجعل النص أمام احتمالات الانغمار المتعدد أو القراءات المتعددة: أي أن يخلق له مساراته الخاصة، ومن ثمة نصه الخاص"( ) ، وكلما زادت الروابط والتشعيبات فيه زاد عدد الاحتمالات لتوليد نصوص مختلفة إلى حد قد يصل إلى تعذر إعادة قراءة واحد منها، حتى على مستوى القارئ الواحد الذي يبدأ من نقطة معينة ويتبع مسارا عشوائيا، ويتوقف عند حدّ ما - لسبب ما - سيصعب عليه إعادة قراءة النص وفقا لذلك المسار، أي أننا –باختصار- أمام تعدد للنصوص وليس تعددا للقراءات، ومعنى أن يكون القارئ الواحد أمام عدد غير محدد من احتمالات النصوص/القراءات وغير قادر على تكرار مسار أي منها أن النص يولد ويموت في ذات اللحظة، وسيتعذر – إن لم يكن مستحيلا- معرفة احتمالات أن يشترك أكثر من قارئ في الاختيار مصادفة لذات المسارات، بل حتى على مستوى القارئ ذاته في بعض النماذج.
    عن موقع قاب قوسين

    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: المتلقي وإشكالية الأجناس الأدبية الرقمية : د.أحمد زهير الرحاحلة* Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top