src=' رئيس العبودية والاستبداد : د. عزيز الحدادي - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    السبت، 21 يناير 2017

    رئيس العبودية والاستبداد : د. عزيز الحدادي

    ما أشقى الوعي المستعبد، لأنه يكون محروما من الحقيقة، ما دام يتمنع باعتراف خال من المساواة، لأن السيد يسيطر على الوجود، ويستعبد الإنسان بالعمل: «فالسيد في هذا
    القياس هو القوة التي يندرج تحتها العبد»، وبخاصة أن العبد مجرد وعي مغلوط، يتوسط بين الشيء ومتعة السيد: «القضاء على الشيء و الارتواء في متعته». ولذلك فإن طبيعة هذه العلاقة الجدلية مناقضة للحرية الطبيعية، إذ نجد السيد قد وسط العبد بين الشيء وبينه، مستمتعا به استمتاعا صرفاً، لأنه تمكن من إفراغ محتوى وعيه الذاتي، هكذا يمسي الوعي المجانب للماهية، عبارة عن شيئية الشيء إلى أن يكتشف نفسه في النعي المطلق، بيد أن هذه اللحظة يبدعها العمل الشاق، حيث تستيقظ الروح من سباتها، إذ بدلا من أن ترى العبودية حقيقتها في السيادة، يدرك وعي العبد نفسه في العمل، بأنه رغبة مكبوحة. بيد أن الخوف يسيطر عليه، فما العمل إذن؟ بالعمل وحده يستطيع العبد أن يتعرف على ماهية الشقاء، ويستطيع أن يدرك أن الحقيقة المنبثقة عن الحس المشترك مناقضة للوعي، مجرد خليط مربك من الآراء الزائفة التي يمررها السيد عبر السلطة والمؤسسة الدينية، ولذلك فإنها تشكل أداة استلابه، لأن الاعتقاد في العبودية يسبق الانتماء إليها، والحال إنها لخبرة سيئة ومؤلمة: «أن ترى الجهل والغِلظة التي لا شكل لها ولا طعم، مع قصورهما وعجزهما عن تركيز الفكر ولو على قضية واحدة مجردة. من المؤلم أن يدعيا أنهما يعبران عن حرية الفكر والتسامح. ويتحمسان للحديث عن كرامة وحقوق الإنسان، مع العلم أنهما يحاربان الحقوق الفردية والاختلاف الفكري، و يقمعان العلم والمعرفة باسم الحق الإلهي.
    يا لها من مفارقة سفسطائية ظاهرها معلوم وباطنها ملغوم، فمن يدافع عن دولة العبيد ويمرح بشقائهم، لا يمكنه أن يتعرف على ماهية الإنسان الإنساني، ويحكم عليه بالحرمان من الحق في الحياة، ويجرده من كرامته وكل حقوقه، ولذلك فإنه يصنع حجابا سلفيا بين الإنسان والأنوار. ومع ذلك فإن ضوء العلم يخترق هذا الحجاب، وبعبارة هيجل: «إن حقيقة العلم أشبه بالضوء الهادئ الذي ينير كل شيء ويبعث البهجة والسرور في كل شيء». أما الحقيقة الخطابية أو السفسطائية، فإنها تتهكم وتسخر من الإنسان. وتحطم فيه إرادة القوة وإرادة المعرفة، إن لم تحوله إلا حطام تتلاعب به الآراء المخادعة ولعل هذا الوضع هو الرائج عندنا الآن.
    لقد أصبح الزمان ضربا من البلاغة المخبولة، التي تمارس العنف الرمزي على الأبرياء، وتحاصرهم بالقصور الفكري، وتهددهم بالجوع، والموت. بواسطة فقهاء الحقائق البيانية التافهة التي تدعي علمها للغيب، وتنشر الخوف من الوجود، والرعب من الموت. والحال إن الشعب يريد الحياة، والسلطة الوسطوية تحرصْ على الموت. فلا بد إذن من الهروب من هذه الشباك التي تصطاد الأرواح وتخدرها بتلك الأفكار الدوغمائية، لتبعدها عن الوعي الذاتي، وتظل تمرح بالوعي الشقي. لكن هل بمجرد ما ينصهر الوعي الشقي في الخوف المطلق يحقق كماله في الوعي الذاتي؟ وما هي المراحل التي يقطعها الوعي من أجل تحقيق ذاته ؟
    ليس من الضروري أن يظل العبيد عبيداُ والسادة سادة، بل ينبغي أن يتحول الكبار إلى صغار، والصغار إلى كبار، ذلك أن جدلية التاريخ تحكم على المجتمعات الوسطية بالانهيار، وما دام أن جميع الشعوب المتحضرة تشعر بالخجل عندما نتحدث عن مجتمع العبيد والسادة عندنا، فإنه حان الوقت لتفجير هذه البنية التقليدية وهدم جميع التقاليد المعادية للنزعة الإنسانية، إذ لم يعد يهمنا أن يعيش الحكام الطغاة البذح والشعب يتألم من الجوع، لأن هذا الوجه البشع للسياسة المتوحشة، سياسة الأعيان والإقطاعيين، والرأسماليين تمزق العدالة الاجتماعية إلى أشلاء، لأن مبدأ اللذة عندهم يبتلع مبدأ الواقع، الذي يتم قمعه بواسطة الشعب نفسه، فالشعب دائما ينتظر من يحرره، لأنه لا يعلم بأن: «السلطة لا يمكن تدميرها إلا عن طريق تناقضاتها الخاصة، وليس عن طريق حركة اجتماعية»، بل إن المثقف الملتزم بقضية المجتمع هو الذي يقوم بفضح السلطة، وإظهار تجاوزاتها القمعية، والشاهد على ذلك أن ماركيوز قد تنبه بأن: «النزعة الثورية غريبة عن الديمقراطية، لأنها تخشى السلطة المطلقة. ولذلك فإن النقد التنويري للهيمنة السياسية يحرص على بناء السيادة الشعبية التي تكون مدخلا للديمقراطية، على الرغم من أن عدوانية الرأسمالية أضحت تهدد النظام السياسي في الديمقراطيات الحديثة، لأنها ساهمت في ظهور «الرفض الكبير»، والاحتجاجات المتتالية ، فهل يتجه مجتمع العبيد إلى مجتمع البروليتاريا؟ وما علاقة البنية الاجتماعية التقليدية التي تتأسس على الأضرحة والأولياء بالبنية الاجتماعية في الديمقراطيات العريقة؟ ومن المسؤول على هذا التأخر السياسي والفكري؟
    أسئلة مزقها ملل التكرار، بيد أن السلطة مصابة بداء الصمم، والمجتمع يولد ميتاً إيديولوجيا، خاصة وأن السياسة والعدوانية يختلطان في السلطة المسيطرة على الدولة، التي تحولت إلى جبروت يحدث الرعب في قلوب المواطنين، بدلا من معالجة إشكال الثغرة الطبقية بين البورجوازية والبروليتارية، انطلاقا من مفهوم التقدم الاقتصادي والسعادة السياسية. وبما أن الطبقة السياسية متعفنة،لا يهمها سوى الاغتناء الفاحش، فإنها قد دمرت تلك العلاقة الروحية بين السياسة والأخلاق، نظرا لكونها لم تنمو في أحضان العقلانية، بل تلقت تربيتها في مدارس تقنية جامدة وأداتية والتي تؤهلها للصراع داخل السوق.
    ومهما يكن دور الدولة كأداة للقوة السياسية والقانونية، فإن الأخلاق العقلانية تحمي السياسة من القراصنة، واللصوص، والأشرار. وتحررها أيضا من الهيمنة والأوهام، هكذا يتم القضاء على خيبة الأمل، والمساهمة في انبثاق حرقة الشغف بالتقدم والسعادة، لأنه من المستحيل الحديث عن التقدم الاقتصادي بدون التفكير في إسعاد المواطنين سياسيا، من خلال الحق في الحرية والمساواة، هكذا نكون على مقربة من المعنى، الذي لا يجد معناه خارج العيش معا في هذا العالم، ذلك «أن انهيار سعادة الابتهاج، هو حقيقة ماكرة مخادعة قاتلة…لأن السياسة أصبحت تنتج أساطيرها في العقلانية الأداتية والتقنية التي تسمح لها بالسيطرة والهيمنة.
    من أجل فهم الهيمنة السياسية عند فيبر، لابد من اختراق بنية السلوك السياسي الذي يتأسس على مفهوم السيطرة: الأوامر والطاعة، ولعل قراءة سياسة السيطرة بواسطة جدلية العبد والسيد كما تركها هيجل قادرة على تعرية هذه الهيمنة، ذلك أن الغاية من الصراع السياسي هي الاعتراف، فالسيد يفرض قوته على العبد ليعترف به ويبايعه، ليظل العبد عبدا، وهذا تكريس لعبوديته في الواقع، فبالوعي السياسي يتوجه العبد نحو المطالبة بكرامته والاعتراف به كمواطن، وإذا اعترف به السيد رغما عنه فإنه يقوم بتحريره من العبودية.
    فالجدل لا يقوم إلا بين الأضداد، ذلك أن كل ضد يريد أن يثبت هويته انطلاقا من هدمه للآخر، بمجرد ما يشعر وأنه في بيته ممتلكا وعيه الذاتي: «لأن الروح لا تكون روحا حتى تتعرف على نفسها في التاريخ. هكذا تحقق عظمتها في الانتشار خارج ذاتها، وبإمكانها الضياع في عمقها، ولذلك فإنها تحقق كمالها في هذا الضياع، لأنه لحظة الوعي الذاتي الذي يخلصها من الانكماش في الوعي الشقي، أو بالأحرى وعي العبيد. لأن الصراع بين الأضداد يتحد في الرغبة المشتركة في الاعتراف، وهذا بالذات ما يشكل ماهية السياسة، لأنها مجرد وعي ذاتي يخترق الواقع، ويحركه نحو العقل. هكذا تصبح سياسة عقلانية تنويرية تربط بين التقدم والحقيقة، وبين التاريخ والحرية، وبين التنوير والإنسانية، وهذا بالذات ما يجعلها سياسة مدنية تفتح المجال أمام النقد الذي يحرر الإنسان من الهيمنة والسيطرة التي يمارسها بعض الأشخاص بواسطة السلطة المطلقة. وبما أن العيش معا في الحاضر يتطلب المصارع والمقاومة، فإن هذا الحاضر ينبغي أن يكون مختلفا عن الماضي، والنقد هو السلطة التي يتم التمييز بين الجوانب السلبية والإيجابية. ومن المفروض أن نتحرك في فضاءات التنوير باعتبارنا كائنات تاريخية بتعبير ميشيل فوكو تسعى إلى التحرر من الإخضاع، لأن النقد يتجه نحو إطلاق العمل اللانهائي للحرية، هذا المشروع الذي يقوم بغرس شجرة التنوير في الحاضر. بغية هدم سياسة الماضي، والخلاصة في مظهرها البرهاني تقتضي الاعتراف بأننا نتحرك ضمن ميراث التنوير، مما يحكم علينا بعبادة الماضي، أو بالسلفية الفكرية، بيد أن إجهاض مشروع التنوير في هذا الفضاء الخرافي، أخر كثيرا عملية إعادة الولادة، وربما أنها ستكون ولادة جديدة لفكر عتيق نال حظه عند بعض الشعوب العقلانية، ووجد مقاومة تيولوجية عد بعض الشعوب الأسطورية ومن سوء حظنا أننا ننتمي إلى هذه الأخيرة بالرغم من قتالنا اليومي، من أجل بناء النقد الفكري الذي نعتبره منطلقا أساسيا في بناء النهضة الفكرية ثم استقبال عصر التنوير، وإلا سنلقي بهذه الأمة في الضياع، فما هو إذن المبرر التي تقدمه السلطة الوسطوية للحفاظ على الهيمنة السياسية؟ هل يتعلق بعدم اكتمال نضج المجتمع المدني؟، أم بغياب الفكر النقدي المقاوم؟ وما الذي يجعلنا ندعو إلى هذه الثورة النقدية في مجتمع تقليدي؟
    والحال أن الأنطولوجيا السياسية العربية تستمد قوتها من التصورات الدينية الشعبية، حيث تمكن السلطة القهرية من فرض سيطرتها على الأرواح من خلال الخطباء، هكذا يتحول الفضاء الديني إلى فضاء للاستقطاب، والشاهد على ذلك أن التوجه إلى الاقتراع الكوني قد منح للأحزاب الدينية المرتبة الأولى، لأنه إذا كان اللاوعي الجماعي يتشكل انطلاقا من التربية والآراء الشائعة بين الجماعات، فإن الطبقات الميسورة تسعى إلى تبرير هيمنتها السياسية والاقتصادية عن طريق العناية الإلهية، والطبقات الفقيرة تفسر وضعها الشقي انطلاقا من الدين، وبخاصة وأن المهندسين للأرواح هم الفقهاء الذين يتم توظيفهم من قبل الطبقة الحاكمة. وكأن الأمر يتعلق بتقسيم إلهي للثروات والامتيازات السياسية: «فالطبقات الغنية ترغب في التأكيد أن لها الحق في أن تسيطر، لأن لها قدرات إلهية خارقة، أما الفقراء فلا يتمتعون بهذا الحق لأنهم إرتكبوا أخطاء أو قاموا بأعمال مخالفة للدين»’ كما يرى ماكس فيبر، فالشرعية السياسية هي مجرد إيمان أعمى بالسلطة المطلقة للطاغية، ولذلك لا يجب تبرير الهيمنة السياسية انطلاقا من الصراع الطبقي، بل من الصراع الايديولوجي، ما دام أن العامل الديني يتدخل بعنف.
    ثمة إذن إيقاع مستمر في الشرعية السياسية للهيمنة، منذ إشكالية الخلافة ، حيث أن الصراع على السلطة يستمد مرجعيته من هذه الإشكالية. هكذا قام الفكر السياسي العربي بترك الساحة فارغة أمام الفكر الديني، الذي قام باغتيال التاريخ، والمساهمة في التأخر، وتأجيل عصر التنوير، وتهجير الفلسفة والعلم إلى الضفة الأخرى، وإحداث الفتنة في المجتمع والحكم على الأمة بالاستبداد السياسي، وخلق من الشعب مجرد مواطن في السماء، وعبد في الأرض، ذلك أن السلطة المسيطرة لا تكتفي بالدوافع التي تحث الإنسان على الطاعة، بل تسعى إلى الشرعية الدينية، هكذا نجد أن كل الطغاة يدعون انتسابهم إلى شجرة النبوة. بغية إثبات أحقية سيطرتهم، فالحاكم الكاريزمي يتوفر على قدرات فوق طبيعية وإنسانية، ولذلك فإن الخضوع لسلطته يكون مقدسا، ولعل أساس هذه السلطة يصبح عاطفيا لا عقلانيا، مما يحكم على النقد بالإعدام، لأن الكل يخضع بالقوة والإيديولوجية. وهذه الشرعية المطلقة تجعل: «الاعتراف يكون مطلقا والخضوع مطلقا، والثقة عمياء ومتعصبة في غياب كل مراقبة وكل نقد. وسيرا وراء هذا التفكيك النقدي لشخصية الحاكم، يتضح أن السلطة عندنا هي توهيم وخداع للشعب لتحقيق أهداف وغايات لا يعرفها الجمهور، والحقيقة السياسية تقول إنه ينبغي أن تكون هناك جدلية بين الحاكم والمحكوم، تؤسس طاعة الأفراد على مصلحتهم، وتمنح للشرعية ميثاقها الاجتماعي، الذي ينبثق عن العقد الاجتماعي، بيد أن هذا الوجه البريء للشرعية الدينية، يتم نهشه بالتدخل البشع للشرعية الدينية مما يحكم على المجتمعات العربية بإقامة أبدية في القرون الوسطى.
    ٭ اكاديمي مغربي
    د. عزيز الحدادي
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: رئيس العبودية والاستبداد : د. عزيز الحدادي Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top