src=' بلاغة الفلسفة مقاربات مفهومية للإنسان والعالم الدكتورإدريس كثير - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الأربعاء، 22 فبراير 2017

    بلاغة الفلسفة مقاربات مفهومية للإنسان والعالم الدكتورإدريس كثير

    بلاغة الفلسفة مقاربات مفهومية للإنسان والعالم الدكتورإدريس كثير
    ترسخ مفاهيم إدريس كثير المعروضة في كتاب «بلاغة الفلسفة : مقاربة مفهومية للعالم “ الصادر سنة 2014 بالأردن عن دار عالم الكتب الحديث للنشر و التوزيع، قربا من
    اليومي ، و دعوة للإنصات لتفاصيل مهملة من الحياة ، وتفرض على كل الحقول التي ترسو فوقها وضعية بينية ، إذ لا يمكن أن نعثر انطلاقا منها إلا على حركة مغادرة دون وصول ، تجعل كل كائن محمل بما ليس هو ، بآخره و غيريته ، فالهنا محمل بثقل الهناك ، والذات بالآخر ، والتأكيد الجذري بمنطق الربما ، والمنتصر في ذلك هو الحركة ، التحول والانتقال . لأنه يريد لمفاهيمه أن تكون مفكرة ، تشتغل كطاقة ، أي كمُفَعِل للحركة . لذلك يبدو أن المكسب الأهم من وراء المفاهيم ليس نظريا ، وإنما عمليا ، يصب في الحياة ، في صيغة تدبيرها وفي ما يمكن أن ينتزع من عبورها السريع ، ومعنى ذلك أن تفعيل هذه المفاهيم لا يرتكز على تسييج حقل مغلق للذات تظهر فيه فقط ككفاءة للحكم و الاستدلال أو كمستقر للبداهات التي تفيد في تشكيل أرضية صلبة لكل يقين مرجو ، وإنما كجسد ، تصوغه الرغبة والتوق إلى الإشباع .
    لذلك معنى محدد ، هو كون اليومي امتداد للجسد ، أي للرغبة وما يشبعها ، وما يقاومها ، بل حتى ما يتلف موضوع إشباعها . وإن ظهر اليومي في شكل أنظمة قاسية محسومة المقدمات ، متمنعة اتجاه إرادة الذات ، فذلك لكونه ينتسج كمجال يكتشف فيه الإنسان حريته كمقاومة أي كمجهود وليس كإمكان ، وهو ما يجعل من هذا اليومي في رتابته المملة وركاكته السؤال الفعلي المتحرك خارج اللغة للتمرس العملي على الحرية ، وهو ذلك التمرس الذي يمنحه الحاضر ويتشكل من إمكانياته ، ويصلح ضمانة لقدرة الإنسان على تحمل مهمته التاريخية في مواجهة حدوده .
    تذكرنا مفاهيم إدريس كثير إن الهروب من التفكير في اليومي و به، ليجسد نسيانا لعمق التجربة الإنسانية ، وهي إقامتها في الحاضر ، وانتماؤها للحظة . فمن يخرج اليومي من أفق فلسفته يخرج منه أيضا سؤال الجسد والرغبة والحرية ، أي سؤال التاريخ برمته (1) . ففي قلب الإحساس المضجر من مظاهر اليومي ، يوجد توق فعال للتحرر منه .
    إن وضعَ اليومي في تعيناته الأكثر تفاهة في قلب تناول فكري ، لكفيل باستدعاء أعمق إشكالات الوجود الإنساني ورهاناته ، لأن مسألة الحياة في صلبها هي مسألة أسلوب في التحرر، ولأن نموذج الأخلاق ليس العلم و إنما الاستيطيقا ، ولأن المهمة الأسمى للكائن الإنساني هي أن ينتزع أبديته من إحساسه الجميل و الممتع بحاضره .
    يوظف إدريس كثير « توس نيكوس « هذه العبارة التي التقطها من الاستعمال العامي ، لاستجلاء حقول متفاوتة تتعلق تارة بصروح الرغبة وأخرى بإمكانات الجسد من قدرة على الحياة وميول ومقاومة ، وتارة على نطاق أخلاقي لا يتعلق فقط بما ينبغي أن نفعله ولكن أيضا بما نستطيعه من حيث كوننا أجساد .
    فالتوس نيكوس أثر دال على حركة بين حقول يؤجل الواحدُ منها الآخر ، ويبطئ حضوره أو يعجل غيابه ، مثلما يجعل الواحدَ منها أفقا لنقيضه . وهي الحقول التي يعثر فيها الوجود الإنساني على نفسه كدافع أو طاقة ما تكاد ترسي علاقة بالعالم أو بالآخر حتى تشرع في تغييره.
    ينتقل التوس نيكوس ، حسب توصيف إدريس كثير من درجات في التحقق متفاوتة في ارتباطاتها وفي إمكاناتها التأويلية الدالة على الحياة من ناحية وعلى القيمة من ناحية ثانية.
    فهو و إن كان يُستعمل في العادي من السياقات لوصف حالة من العلاقة الحميمية ، مثلما يُستعمل لوصف اضمحلال أخلاقي ، فإدريس كثير ، يجعله مكانا لتقاطعات فلسفية ، تتزاحم فيه آثار الرواقيين والأبقوريين ونتشه ودولوز وغاتري وفرويد ودريدا وهايدغر .. وكل واحد من هؤلاء يخلف فيه أثره ، ويُعدل من خصوبته المفهومية ، ويفتح له مجرى خاصا .
    فالتوس نيكوس كما يقول صاحب الكتاب ، مفهوم متردد من الأضداد . فبدل صيغة هذا أو ذاك ، هناك صيغة هذا و ذاك في نفس الآن ، وهو إذن ليس سلبا أو إيجابا ، إنما هو السلب و الإيجاب معا ، هو تكثيف لحالة من السلوكات المشينة وهو في نفس الآن سلوك طبيعي غريزي . (ص 145)
    و إن كنا نفهم من هذه العبارة (أي توس نيكوس) نوعا من التذمر من تورط جماعي في الأسوأ و الأردأ ، وخضوع العموم لذات الفعل ، و إصراره على اقتراف ذات الخطأ الذي يشجبه الجميع ، فإن الكتاب يمنحه أفقا متدرجا يظهر فيه مفعول مفاهيم أخرى .
    فهو قوة الطبيعة فينا ، دوافعها وميولاتها ، وهو بداهة الهوى و الإحساس وماقبل المفهوم والحدس ، وحالة من السلم مع الذات و إرادة للحياة ، وهو أيضا المفزع و المقلق القابع في كل ماهو مألوف ، أي اطمئناننا الأول وقد تحول إلى قلق .
    على هذا المنوال يبني إدريس كثير مفاهيمه في بلاغة الفلسفة ، التي يطرحها كعمل متحرك للفكر ، وما نكاد نرسي علاقة بها حتى تشرع في التفكير من خلالنا ، فتعثرُ فينا على آثار حقول عابرة تحول وجودنا إلى وضعية بينية ، يحكمها منطق البينونة كما فضل كثير أن يسميه .

    لا يستطيع قارئ كتاب بلاغة الفلسفة ، أن يتجاهل تلك الرغبة التي تتحدث من خلاله ، و التي تملأ فضاءَه الخاص بحيوية كبيرة . وهي الرغبة في التفلسف ، التي تجعل من المفهوم خطا واصلا بالحياة ، وليس منتهى الطريق . فهو إذ يواجه الكاووس ، يفسح المجال لما كان يسميه دولوز بالشدة ، حيث تتكثف قوة الحدث ، لتنزاح عنه خطوط هروبية وانفلاتات هي المكمن الفعلي لبروز حقيقة متغيرة تسعف على الحياة ، وتفرز الجسد كمكان أعلى لممارستها ، وتؤجج الرغبة كتركز لسيولات القوة . وعند هذا المنعطف بالضبط نتذكر أن الصحة هي فضيلة الجسد ، بل هي كبرى الفضائل ، وأن الرغبة مُفعل الاستعارة والتاريخ . وأن إشباعها هو عتبة تجدد الزمن .
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: بلاغة الفلسفة مقاربات مفهومية للإنسان والعالم الدكتورإدريس كثير Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top