src=' السخرية اللاذعة الأقرب إلى الشتيمة في ديوان "قبل القيامة بقليل" عبيد لبروزيين - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الخميس، 23 فبراير 2017

    السخرية اللاذعة الأقرب إلى الشتيمة في ديوان "قبل القيامة بقليل" عبيد لبروزيين

    لقد صار صعبا على جميع النقّاد أن يجدوا مداخل حقيقية للنصوص الشعرية خصوصا مع تجربة قصيدة النثر في نسختها العربية وما تعيشه من تحولات حقيقية على مستوى
    الخطاب والتجريب، وهي الصعوبة التي نسعى إلى تذليلها في هذه القراءة مع ديوان "قبل القيامة بقليل" للشاعر المغربي حسن بولهويشات الصادر مؤخرا عن دار مخطوطات بهولندا 2016)). وذلك من خلال مقاربة العنوان كعتبة أولى، مرورا بما تنطوي عليه نصوص المجموعة من اجتراح الذات وتصور عميق حيال الأشياء والعناصر فضلا عن سخرية لاذعة أقرب إلى الشتيمة.
          حسن بولهويشات، ذات شاعرة يتوغل فيها الألم ليرسم خرائط البؤس والشقاء والجنون. ذات تأبى قيود الشكل واجترار المقروء. تعرفت على تجربته من خلال نص سردي "الرجل المشلول ينظر إلى وجهه في المرآة"[1]، حيث يتحدث، في هذا النص، بضمير المتكلم المصطلي بلظى اللحظات الحارقة، وهو الضمير نفسه الذي يعتلي عرش نصوص ديوان  "قبل القيامة بقليل".
        لم تكن طروحات جيرار جنيت حول العتبات ترفا فكريا، فالنص الشامل، لابد من أن يستحضر النصوص الموازية لتشكيل المعنى، ومعنى المعنى، عند قارئ يجد نفسه في مواقع اللاتحديد بخصوص قصائد صاحبنا. حيث يحدد العنوان لحظة زمنية تنفتح على قراءات متعددة، القيامة، يوم العقاب والجزاء في الفكر الجمعي الإسلامي، والتي تبدو كعالم سرمدي ينشد المثالية والكمال، وهي بمعنى من المعاني، فاصل بين العالم الدنيوي والعالم الأخروي، لحظة فارقة في الزمن، وهي على كل حال، لا تحقق الشعرية إلا في سياقها الثقافي-الديني، والشعرية هنا مرتبطة بالانزياح الدلالي، الذي يكشف عن معنى مفارق لليومي، وذلك من خلال ظرف الزمان "قبل"، لأن القيامة لا يُعلم زمنها في الديانات السماوية، فكيف علم شاعرنا بذلك؟ وماذا يمكن للمرء أن يفعله قبل هذا الموعد الحاسم؟
            ينتفض بولهويشات على تمثلات يوم القيامة متوسلا ضمير المتكلم في أغلب قصائد الديوان، حيث صراخ الذات المكلومة يرفُل في ثياب المقدس والمدنس، يقول "أريد أيضا أن أصل إلى الله"، والرغبة هنا بعيدة عن معنى الحلول، إذا كانت كلمة الله تعنيه، لأنها في حقيقة الأمر مرادفة للعدل والحق والمساواة والإنصاف، يريد شاعرنا أن يضع الجلاد أمام المقصلة، ويضع ملوك الأرض أمام فوهات بنادق الإعدام، انتقاما وأحيانا نكاية بهم.
         يكاد يبدو المعنى تقريريا ومباشرا إلى حد ما، وهو ما قد يفسد لحظة العناق بين النص الشعري والقارئ، لكن الأمر ليس كما يبدو للوهلة الأولى، لأن الانزياحات الشعرية عند بولهويشات تترفع عن اللغة اليومية المبتذلة، فالصورة الشعرية تعبر هنا عن تناقضات الذات المكلومة التي فقدت وجهتها في عباب متلاطم، واللغة سلسلة تنتمي بحكم الضرورة إلى المعجم المعاصر الواقعي، متوهجة في تركيبها، فالقلق الوجودي، واللحظة الشعرية الحارقة، أمور لم  تمهله الوقت لانتقاء الألفاظ والجمل، بل جعلته مضطربا في علاقته بالمستقبل والماضي، يتلمس طريقه في عتمة الليل، حاسما في انتمائه للواقع، هذا الانتماء/اللانتماء، الذي يعبر عنه بسخرية سوداء تضرم النار في أفق انتظار المتلقي بسخرية أقرب إلى الشتيمة، ومثال ذلك قوله في قصيدة "الرجل الرديء"[2]:
    أفكاري متشابهة مثل شقق العمارات
    مشاعري غامضة كرمانة في شجرة بعيدة
    أحزاني أليفة ككلاب الأثرياء
    أو قوله في قصيدة أخرى[3]: 
    أفكاري دائما مرتخية
    مثل تبان الجدة
            يتوسل الشاعر بالاستعارة والتشبيه للتعبير عن نفسه التي يمتد فيها الألم مسافات، إذ أسند صفة الارتخاء للأفكار، والتي يشّبهها بتبان الجدة، صورة شعرية تختلف عن الصور المألوفة، إذ يسعى من خلالها للكشف عن مكنونات الذات المكلومة الحائرة، والتأثير في القارئ بالزج به في كهوف بلورية من المشاعر المتناقضة، وهي استراتيجية يروم بواسطتها الانتقال من ضمير المتكلم المفرد إلى ضمير المتكلم الجمع، أي إقامة الجسر بين الضميرين "أنا" و"أنتم"، والصورة الشعرية هنا ذات وظيفتين (الوظيفة النفسية والتأثيرية) تميزان قصيدة النثر بصفة عامة وتجربته بصفة خاصة، كما نسجل أيضا تفوق شاعرنا في إضافة وظيفة أخرى، ويمكن أن نسميها وظيفة السخرية، ألا يثير تشبيه الأفكار المرتخية بتبان الجدة نوعا من السخرية السوداء؟
            والسخرية عند بولهويشات مرتبطة بتقلبات ضمير المتكلم، الذات المستهترة والطفل الصغير المستهزئ، كما جاء في قصيدة "قبل القيامة بقليل"[4]:  
    أريد أيضا أن أصل إلى الله
    قبل القيامة بقليل
    وأقف في طابور تحت شمس حارقة
    يهمني أن أتفرج على ملوك الأرض عراة
    أن أزيل الكمامة عن فمي وأغيظهم
    كأن أنطق أسماءهم بالمقلوب
    أو أخرج لساني وأضحك
           أليس نطق الأسماء بالمقلوب وإخراج اللسان من الصور الشعرية التي تعكس تقلبات ضمير المتكلم؟ ليست هذه المعاني دفقات شعرية يمكن غض الطرف عنها، بل هي لعبة الأضداد، التي يعتمدها صاحبنا في كتابته الشعرية، البراءة والمكر، الخير والشر، وبواسطتها يميط اللثام عن واقع يعلو فيه الظلم والفساد، ليحجب نور الشمس في الأفق البعيد، فينتصر على كل هذا بنطق الأسماء وإخراج اللسان.
            يتأرجح الشاعر بين عالم أبولوني "نسبة إلى أبولو" مثالي وديونيزوسي "نسبة إلى ديونيزوس" ماجن، هكذا تنشطر الذات الشاعرة إلى نصفين، قدم في الجنة وأخرى في الجحيم، والعنق ترنو نحو السماء، تنشد الخلاص، وتحقق انتصارات آنية، أو ما يبدو أنه انتصار، بينما تسيخ الرجلان في حمأة الظنون والوجع. صورة سريالية يصعب جمع تفاصيلها الصغيرة.
             ليس التعارض وحده هو ما يميّز ديوان "قبل القيامة بقليل"، بل اختار الشاعر الهروب من القلق الوجودي عن طريق طرح الأسئلة، والهروب هنا تجربة جديدة، فلم يقم بما قام به الرومانسيون الذين احتموا بالطبيعة كملاذ آمن، بل هو هروب نحو الأسئلة الحارقة التي تجعل المتلقي يعيد تشكيل وعيه تجاه الذات والعالم، يقول في قصيدة "أضلل الشمس بنظارات شمسية"[5]:
    أن أقرأ أشعاري في إصطبل الدواب
    ويصفق البدو بحواجبهم الكثة
    أن أكون أمازيغيا
    وأنتسب للعرب بقوة الشعر
    أن أهرب قصائدي إلى لندن والشام
    وأشتم اتحاد كتاب المغرب
    وبيت الشعر
    بلا سبب واضح
          تقوده حرقة الأسئلة المتعلقة بالهوية ومعاناة الذات إلى السخرية السوداء مرة أخرى، ليحمل أعباء نفسه على ذات تأبى إلا أن تكون شظايا، يقول[6]:
    أن أقف عاريا أمام المرآة
    وأتذكر القرد وأضحك
    أن أسوق السيارة حافي القدمين،
    في الثالثة ضباحا،
    وأقف وحيدا أمام القرص الأحمر،
    وأشعر باليتم.
           يلّح بولهويشات على تقديم واقع مرير للإنسان المعاصر، في قالب كوميدي أسود، حيث يلتقط صوره الشعرية من أتون اليومي الصرف، ويؤجل انتصاراته إلى زمن آخر، يقول في قصيدة "الحارس الأعمى"[7]:
    هات يديك لنكسر الظلام برؤوسنا
    ونفلق الماء بالحجارة
           وعموما، يطرح  ديوان "قبل القيامة بقليل" قضايا إنسانة مهمة تتعلق بإنسان الهامش المنسي في غياهب الواقع، بلغة تمتح من اليومي الصرف فيما تتبدى قوة الشاعر في قدرته على تحويلها في بنية الجملة إلى كلمات متوهجة ومتألقة، وهو ما جعلنا نركز على شعرية التركيب، فضلا عن الصورة الشعرية المقترنة بالسخرية السوداء، واعتماده على لعبة التضاد والتناقض لتشكيل المعنى
          غلاف ديوان "قبل القيامة بقليل"
    [1] - http://www.alquds.co.uk
    - حسن بولهويشات، قبل القيامة بقليل، دار المخطوطات، الطبعة الأولى، 2016، ص: 49[2]
    - نفسه، ص: 28[3]
    - نفسه، ص ص: 28-29[4]
    - نفسه، ص: 33.[5]
    - نفسه، ص: 34[6]

    - نفسه، ص: 53 [7]
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: السخرية اللاذعة الأقرب إلى الشتيمة في ديوان "قبل القيامة بقليل" عبيد لبروزيين Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top