src=' الرئيس يقتل ابن رشد : د. عزيز الحدادي - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الأربعاء، 8 مارس، 2017

    الرئيس يقتل ابن رشد : د. عزيز الحدادي

    « ألا تنظرون إلى من يعادل الإمام ابن رشد في مركوبه؟ هذا الإمام، وهذه أعماله»
     ابن عربي
    فخلال كل هذه القرون والفكر الدوغمائي يتكلم عن مدى شرعية محبة الحكمة في
    الإسلام، وينطلق من مقدمات كلامية أشعرية كما تركها الغزالي، وإلى حد الآن لم يحسم في هذه الشرعية، مما حكم على النهضة العقلانية بالضياع في شاعرية الكسل الروحي. ولذلك لا مكن لهذه الأمة أن ترى نفسها في مرآة العقل، بل ستظل مندهشة أمام مرآة الوجدان، والعواطف المشتعلة، تشعر باغترابها أمام ابن رشد، تردد حكمة ابن عربي، الذي يصف موكب جنازة ابن رشد بأسلوب تراجيدي ساخر : «ولما جعل التابوت الذي فيه جسده على البداية جعلت تواليفه تعادل من الجانب الآخر، فالتهافت أبو الحكم إلينا وقال : «ألا تنظرون إلى من يعادل الإمام ابن رشد في مركوبه؟ هذا الإمام، وهذه أعماله «. ينبغي لهذه الصورة أن تؤثر في حاضرنا، أكثر من تأثيرها في روح ابن عربي، على الرغم من أنه اعتبرها من أنعم الصور التي شاهدها في حياته. بيد أنها لم تصل إلى أعماق هذه الأمة، وخاصة وأنها ألقت بابن رشد في جحيم النسيان. فنسيان ابن رشد هو نسيان لأفقها الانطولوجي والميتافيزيقي. هكذا أضحت الرشدية شيء غريب في هذه الأرض، والغريب هو الذي لا يكلمه أحد، يقلق بحضوره ولذلك يجد نفسه عند الاخر، وبما أنه وجد الاقامة الشعرية هناك، فان النسيان قد أخذ مكانه.
    إبن رشد في النسيان، والرشدية في الميزان، لعبة انطولوجية تتجوجه نحو ذلك القدر الحزين، لأن قدر المفكرين حزين فقط، بل كان درامياً، أعظم من قدر ابن باجة، ومن الحكمة أن لا نتيه في عتمة هذا التاريخ، الذي يدير ظهره للحقيقة. يحكم علينا بالتأمل في المنسي، ومن خلاله يبزع المقدس ويختفي.
    فالشمس التي رافقت ابن رشد إلى أن تجاوز الوادي الكبير تركته في المغيب يعرق في الراحة، ويتمتع باقامته الناعمة في مدينة قرطبة، ومهما يكن عشقه لهذا البلد الذي رفضه فإن الاغتراب قد علمه كيف يحول سكينة الليل والقمر الصامت إلى أحباء، عندما تحاورهم الروح بلغة الوجود. ولذلك يتعين علينا استعادة هذه اللغة، ومنحها الكلمة، من أجل الشهادة على جرائم التيار الظلامي، الذي قام بتخريب روح الأمة.
    ومن هذا نستطيع أن نستخلص الحكمة التالية، لا ينبغي أن نثق في من خدعنا ولو مرة واحدة، ولا أعتقد أن هنالك خدعة أكبر من ترحيل الفيلسوف ميتا في شفق الأصيل. لأن أرواحهم تلتهم ضوء النهار حتى يصبح رماداً. ومع ذلك يظل سؤال الرشدية مقلوباً رأساً على عقب. لأن العدمية مزقت كينونتهم، ولم يعد الوجود سوى مصدر للفزع والوهم، وابن رشد كان يبحث في الوجود بما هو موجود، ولذلك تم إلحاقه بالعدم بما هو عدم. إذ ما جدوى البحث عن الوجود، وبخاصة إذا كان العدم هو السائد؟ وبعبارة أخرى ألا يكون العدم أهم من الوجود في العصر الراهن؟ وبما يمكن تفسير شعبية التيار العدمي الآن؟
    والواقع إن إشكالية النهضة الرشدية أرغمت على التحول إلى مشكلة تقضي على نفسها بنفسها من قبل جملة الموجود، هو اللاموجود الخالص.. يستغني عن العقل، فلا وجود للسلب إلا لأن العدم موجود». فالسؤال الجوهري، هو كيف يمكن لأمة أن تضحي بالعقل من أجل اللاعقل؟ بل كيف تستطيع أن تتخلى عن الوجود، وتتشبت بالعدم؟ وأين يوجد ابن رشد الآن؟ وكيف يمكن أن لا تخجل عندما نراه هناك هادئا ينتظرنا؟
    مديد هو الزمان الذي يفصلنا عن ابن رشد، وحين تتاح لنا إمكانية أخرى لاكتشافه : « في الابتهاج الذي يتولد عن الحضور، لا حضور مجرد الشخص ولكن الشخص العزيز علينا». وبما أن ابن رشد هو أعز علينا من أنفسنا فإن تحريره من سجن النسيان، سيجعل الوجود يستدير نحونا، ويحكم على العدم والعدمية بالانزلاق في هوة القلق، وفقدان الصواب، وحيئذ سيدمر كل الذين غرروا به. ولعل تهجير ابن رشد إلى الضفة الاخرى، هو في الحقيقة تهجير العقل، وفتح المجال أمام الوجدان المشتعلة. ولم يكن ابن رشد إلا ضحية هذا الصراع الشرس بين العقل والوجدان.غير أن هذا الصراع، لا يحتفظ بأي معنى في عصرنا الراهن، مادام أعداء العقل قد فقدوا قدرتهم على الاستمرار.
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: الرئيس يقتل ابن رشد : د. عزيز الحدادي Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top