src=' التشكيل المغربي بين الهوية والمنهج. محمد أديب السلاوي - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الثلاثاء، 28 مارس، 2017

    التشكيل المغربي بين الهوية والمنهج. محمد أديب السلاوي

    كيف نحدد مفهوم الفن؟ هل نتجه في ذلك أكاديميا؟ هل نتجه انطاعيا ؟
    في الحقيقة أن تحديد مفهوم الفن، على المستوى التطبيقي الأكاديمي، كما على المستوى
    الانطباعي، هو إشكال تاريخي تقودنا إليه شروط اجتماعية وسياسية محددة، تفرز جميعها في مسار التحولات التاريخية المترابطة التي تنسجم والنقلات الاجتماعية النوعية، التي ينتهي إليها تطوير التناقضات في بنية المجتمع
    بمعنى آخر، أن مسألة تحديد مفهوم الفن، تبقى دائما قضية سوسيو ثقافية، نبحث من خلالها عن الصياغة المؤطرة للفعل الفني/ الثقافي/ الفكري العام، الذي يتلاءم واللحظة التاريخية المعاشة، ومن ثمة يبقى أي تحديد أكاديمي/ علمي لهذا المفهوم، تحديدا عاما، لا يتجاوز إطار المواصفات الاعتيادية، وإن كان لا يخلو من معنى.. ومن دلالة.
    إن التساؤل حول مفهوم الفن، بالنظر إلى مكانة الفن في فكر الأمة، وتاريخها الثقافي، يستهدف بالأساس تحديد مضمون الفعل الفني في مرحلة تاريخية محددة، وليس البحث عن تعريف مجرد يدل على شيء اسمه "الفن" لذا فإن تحديد هذا المفهوم، لابد وأن يقودنا إلى تحديد مضمون الفن كهوية وكماهية، ثم كفعل اجتماعي/ فكري/ حضاري، له مميزاته الخاصة في مسار الصراعات الاجتماعية/ الاقتصادية/ السياسية المتشابكة والمترابطة.
    لاشك أن مثل هذا التجديد الذي يجعل في النهاية من "الفن" ممارسة شرعية للسلوك الوجداني/ الثقافي/ الحضاري/ الشعبي، سيقودنا إلى سلسلة من التساؤلات المحيرة حول الفنان، الكائن الاجتماعي، الذي يحمل مواصفات الفن وتحديداته وأدواته.
    هل هو على مستوى هذه التحديدات؟
    هل يمارس فعله الاجتماعي/ الحضاري؟
    من خلال أي الأدوات التعبيرية يمارس هذا الفعل وكيف؟
             ما هي القيم التي يمارس من خلالها هذا الفعل
             بالتأكيد قد تختلف هذه الممارسة من منطقة إلى أخرى في عالمنا اليوم، ولكنها بالنسبة للوطن المغربي، تختلف كثيرا من فنان إلى آخر، وتلك مسألة أخرى، لا تستطيع هذه المقالة تحمل أعباءها.
             الفن تفسير لتداعيات المحسوس المنعكس عن الإشكاليات المحيطة بذهنية الفنان الواعية وغير المدركة لمحيطه.
             حينما سرح إنساننا الأول بصره في السماء واستمر في غيبوبة ذهنية طالت أم قصرت، ارتد بصره يجول في الأفق الشاسع، يبحث عن أسباب وعلل وجوده. وفي هذه المسيرة الطويلة ابتكر الإنسان عدة أراء وعدة نظريات وعدة حلول، في ظل القوى الأكبر من قدراته، والتي استحال عليه مصارعتها بألوانه البدائية الفكرية. في البداية. فجر هذا العجز الكامن في نوازعه بالتحدي، فذهب في سفر طويل داخل وجدانه، يسقط ما تجمع له من خبرات وتجارب على الظواهر المستعصية على إدراكه، جمع وهما كبيرا هدهده لينمو ويكبر فاكتنفه ونام مطمئنا إلى حين.
             هذا الوهم الكبير، هذا الحدث كان صورة مادية منعكسة عن تفكيره في الظواهر المستعصية أمامه. قد يكون تفسيره ساذجا –بادئ الأمر- إلا أنه تطور بتطور "معرفة" الإنسان نفسه، هذه "المعرفة" الناجمة عن البحث المستمر، للاستمرار في مواصلة الحياة، ولتطمين الجسد، المادي لمواصلة فعالياته ونشاطه ولإيجاد متنفس لأفكاره المتصارعة، حول أشياء يراها... وأحيانا لا يدركها.
             ألم يكن ذلك الصراع البدائي حول ماهية الفن؟ حول احتوائه وتوظيفه في بناء نظرية الاستمرار... ونظرية البحث عن الوجود والعدم... ونظرية الممكن والمستحيل؟

    ألم تكن تلك اللحظة، هي بداية التأمل في استقراء الفنان المبدع لواقعه واستنباط قوانين الحقيقية الدافعة والمأثرة في توجيه مساره بصفته صانعا لمجريات حياته ولأنماط مجتمعه؟ من هنا يمكننا السؤال: أي علاقة بين الفضاء التشكيلي وبين الفضاء الاجتماعي؟ بين الفضاء الحرفي وبين الفضاء الفلسفي؟
    أكيد أن العلاقة جدلية بين الفن والمجتمع... بين الفن والفلسفة، منذ أن كان الإبداع ومنذ أن كان الإنسان. فالإبداع كان وما يزال هو التعبير عن الرغبة في تجاوز الفهم والحس، هو تجاوز الواقع الاجتماعي السائد، ولكل العناصر المكونة للأحداث وللحالات، وهو بالتالي القدرة على تفكيك الغموض وضبط منعرجات المراحل التي يمر منها الحس الاجتماعي العام وتوجيه مساره.
    في الفن التشكيلي يصل الإبداع إلى درجة تخدم متطلبات العين في تعاملها مع المساحات المحيطة بها، والتي تتحول إلى مضمون يرفع الحجب إلى الكيان الهندسي الذي يعرقل الحواس أو يمنع استنباط الجوهر. ولربما أن مثل هذه العلاقة، هي التي تدفع بالتساؤلات تلو الأخرى عن المهمات التشكيلية المستجدة للتفاعل مع المحيط الاجتماعي/ الثقافي، المحاصر بإشكاليات إقتصادية وسياسية متراكمة، يمليها العصر وتمليها اللحظة التاريخية الراهنة.
    هل مهمة الفنان هي التعبير عن ما ينضج في فكره من صور وحوارات وصراعات..؟ هل هي البوح بما يرتكن داخل وعيه ؟ أم هي التعبير عن مجريات الأحداث الإجتماعية / الإقتصادية / السياسية.. في زمنه ؟
    هل مهمته هي صياغة ما تستقيه ذاكرته من الشارع العام/ أي من وقائع وأحداث؟ أم هي صياغة ما تختزنه هذه الذاكرة..؟
    أسوة بفناني العالم الثالث، يعرف الفنان في عالمنا العربي ثنائية غريبة ومقلقة، تعطي لهذه التساؤلات صيغتها الموضوعية والواقعية. أنها قضية الذاتية، واستمرار الماضي في الحاضر، وسيطرة الحاضر على الثقافة بكل أجناسها، البصرية/ الشفاهية/ المنقولة/... والمدونة. فالتراث في فصائله الاجتماعية والفكرية، يعيش ويتنفس بقوة في الحياة الاجتماعية، ويمثل عبر وجوده العادات والتقاليد والسلوكات، ويحفر بتؤدة مكانته في الذاكرة التاريخية. وفي الجهة المقابلة لهذه الحالة المستديمة، هناك "العصر" بثقله يقودنا إلى "المستقبل" عبر قنوات متداخلة ومتشعبة، بوثيرة مغايرة، وبنظرة مختلفة للحالات وللأحداث.. وللأشياء.. وبالتالي للمجتمع.
    الفنان المغربي في هذه الثنائية، وأمام هول التساؤلات المطروحة عليه، يتمزق بين عدة أقطاب من الجذب. من جهة هناك مسألة الذاتية التي ترتبط بجسده الثقافي/ ماضيه الغائب الحاضر في ذاكرته وحياته الاجتماعية. ومن جهة أخرى هناك علاقته بعصره الذي تتراكم عليه التجارب العلمية والصراعات السياسية والظواهر الاجتماعية إلى حد القلق والتشتت، وهذا ما يجعل للفن التشكيلي في عالمنا العربي المصنف على لائحة العالم الثالث/ المتخلف، ذاتية خاصة، تستمد وجودها من القضايا والإشكالات والطروحات، وهو ما يجعله متفردا في رؤاه للعالم والناس.
    إن الفنان الذي يرتبط أساسا بالتعبير، تدفعه رموزه وصراعاته إلى إيجاد حركة تصعيدية في تتابع وتواصل الوحدات المكونة للوحدة الكبرى في "تشكيلاته"، تماما كما يبحث في التوازن بين الفراغ والإمتلاء، بين البقع المتحركة، وبين الذبذبات اللونية، يبحث في الجوانب الأنسب لصياغة تيماته وموضوعاته، ولكن كل ذلك يسقط في الضبابية عندما تصطدم انفعالاته الداخلية، بمصادر التأثير والتأثر في تجربته الاجتماعية الثقافية، أو عندما تصطدم بمصادر الإشكاليات والتساؤلات الموضوعة على كاهل تجربته/ تجاربه.
     لقد استنفذ الفنان المغربي الكثير من إمكاناته المستطاعة على صعيد فن اللوحة، دون أن يصل إلى المعادلة المطلوبة بين المضمون الذي يريد والشكل الذي يريد. في نظرنا لا معنى لمضمون خارج أشكال الواقع، وخارج الفكرة البديلة، في زمن أصبح على الفنان أن ينتج فيه فنا مبنيا على قواعد علمية، يرتكز على البحث في ماهية البصريات، وعلاقة الذاكرة البصرية بوعيه الذاتي.
    ففي الواقع، أن اللحظة التاريخية الراهنة بتراكماتها العلمية والاجتماعية والثقافية تطالب اللوحة العربية، لأن تكون ميدانا خصبا لإنتاج فني تنويري يواكب التطور الفكري النظري للمجتمع نفسه، وهذا يتطلب أساسا خبرة فنية علمية كافية وقواعد مسبقة في علم البصريات وكيمياء الاصباغ، وفيزياء الضوء، إضافة إلى الوعي التاريخي/ الثقافي بأهمية اللحظة وتراكماتها الموضوعية.
    بالنظر إلى اللحظة التشكيلية المغربية الراهنة، سنجدها في الأعم بقدر ما تبتعد عن التصور الاجتماعي في المنظور العلمي البحت، بقدر ما تقترب من التصور التفريقي للفن، فعلى هذه الرقعة الواسعة والشاسعة، سنجد تراكمات من التغريب المتحايل على الواقع بشتى "الاتجاهات" و"المدارس" و"الأساليب" بوعي أو بدونه. سنجد "التجريدية الغنائية" أو "البلورية" التي تستغل عوامل المادة للبحث عن شاعرية الفضاء المستعينة بالإنارات أحيانا أو بالحرف العربي أحيانا أخرى. سنجد "التجريد الهندسي" القائم على التعامل مع اللون، الصافي وعلى تفكيك وتركيب "الأشياء" بتداخلات هندسية مجردة، كما سنجد محاولات تنشد التعبير بالإشارة والرمز في اتجاه بعض القيم الأصيلة، ومحاولات مشحونة بالقلق في البحث عن تجارب قائمة على حالة التوتر "الفني"، ولكنا قد لا نجد إلا نادرا وفي حالة استعصاء قصوى، تلك الخبرة القائمة على قواعد علم البصريات، أو على الوعي الحقيقي بالمرحلة التاريخية الراهنة وتراكماتها، أو على الفهم العميق لدور اللوحة كعمل فني "تنويري" مخلص لمصادره الاجتماعية وعلاقاته الثقافية الحضارية.
    إن المرحلة التاريخية الراهنة تتطلب في اعتقادنا، أن يتجه الفنان المغربي إلى كنه الفن، وإلى عمقه لتكون إنجازاته وأعماله، خالصة للحقائق في وجودها الاجتماعي، يعكسها عكسا اختزاليا علميا، ولتكون المادة دليله الملموس لدراسة وتنظيم مادته الفنية، تتقيد وتستند إلى الإمكانات والأدوات التي يتيحها الفن للنفاذ إلى جوهر المضمون.
    في هذه الحالة نرى أن على الفنان المغربي، أن يأخذ بعين الاعتبار المضمون الجوهري لأدواته الإبداعية ورؤاه الموضوعية الصادرة عن انعكاس الأوضاع أو عن وعيه الخاص بها بدراسة منظمة لا مجال فيها للإسقاطات الخارجية، أو للأحكام التعسفية الذاتية، إن زاد الفنان في هذه المرحلة، ثقافة ذاكرته البصرية والفكرية، وقدرته على الملاحظة الدقيقة لما يجري داخل فضائه الاجتماعي العام من أحداث وظواهر وحالات وتناقضات وصراعات، إضافة إلى مهارته اليدوية التي هي من صميم مهارته الإبداعية.
    إن هذه المرحلة في نظرنا، تفرض على الفنان التشكيلي المغربي، كما تفرض على سائر المبدعين في المجالات الأخرى، إبراز وجهة نظرهم دون أي خلط أو غموض بما تمليه عليهم الحقائق الموضوعية التي تتصارع داخل وعيه الباطني الذي يتجاوز أحداث الواقع اليومي.
    من هذا المنطلق وتأسيسا على جوهر المرحلة التاريخية الراهنة، فإننا نرى أن الفنان التشكيلي المغربي، الذي وجد نفسه محاطا بتوجهات وصراعات متشابكة، وبتراكمات علمية، اجتماعية، ثقافية، تؤدي به حتما إلى ثنائية متناقضة، أصبح مطالبا أكثر من أي وقت مضى بحل التناقض الحاصل بين واقعه التاريخي/ الاجتماعي، وبين ما يريد التعبير عنه، خصوصا أنه أخذ يتوقف ببطء عند حد تكرار أشكال وألوان واتجاهات ومدارس وأساليب غريبة عنه وعن فضاءاته، لا تعبر عن رغبته الذاتية، ولا عن واقعه، ولكنها تعبر عن "محاكاته" لصيرورة الركب الغربي، الركب الخارج عن جسده الثقافي والحضاري، مما يسقطه وإبداعه في إشكالية "التغريب" الذي ترفضه رؤانا البصرية وذاكرتنا الثقافية المغربية.
    فهل يعني كل ذلك، أن فناننا التشكيلي المغربي، على وجه العموم، والمحلي على وجه الخصوص، لم يستوعب بعد دوره الحضاري/ الثقافي، أم أنه لا يزال في مرحلة البحث عن الذات؟ في مرحلة ولادة مستعصية، قد تحتاج إلى أجيال أخرى مزودة بتربية بصرية ونشوء فكري سوي؟


    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: التشكيل المغربي بين الهوية والمنهج. محمد أديب السلاوي Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top