src=' زمن البؤساء… ما العمل؟ د. عزيز الحدادي - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الجمعة، 24 مارس 2017

    زمن البؤساء… ما العمل؟ د. عزيز الحدادي

    بأي معنى يمكن أن نتحدث عن بؤس التاريخ؟و لماذا لا نتحدث عن بؤس الفكر و السياسة ؟ ألا يكون البؤس هو براديغم هذا العصر المضطرب ؟
    و الحق أننا لا نعرف إلى أين يتجه بنا هذا السياسي الذي يدعي امتلاكه للحقيقة؟، هل سنصبح بدورنا مجرد صيد ثمين لهذا الصياد الماهر الذي يصطاد أرواح الناس بالخطاف، أم أننا سننجو بأنفسنا عندما نهرب في جنح الظلام باحثين عن ذلك الرجل الذي يحب رؤية الحقيقة، ولن نكرر نفس الخطأ الذي ارتكبه سقراط الذي نبذ الحل السهل وهو الهروب من السجن أو أن يصبح شهيدا لحرية الفكر، ومع ذلك ظل ملكا عظيما لمملكة الفلسفة يحرصها من الأعداء، وبخاصة أن السوفسطائيين الذين تمكنوا من السيطرة على السلطة في المدن الجاهلة إلى يومنا هذا قاموا بهدم الأمل في الحرية والكرامة والسعادة ثلاثية ظلت معلقة في السماء إلى يومنا هذا، فكيف استطاعت السفسطة أن تنتزع السلطة من الفلسفة والسياسة المدنية في المدينة الجاهلة، وتنهزم أمامهما في المدينة الفاضلة؟، هل لأن السوفسطائي لا يمكنه أن يصطاد الأرواح المحطمة إلا في المدن الجاهلة، لأن آماله تظل مخيبة في المدن الفاضلة؟.
    يتعين علينا أن نعترف بقوة السفسطة في نسف نفوس البشر في تلك المدن التي تغيب فيها المعرفة الفلسفية، ذلك أن المعرفة هي حكم صائب يدعمه البرهان، أما السوفسطائي فإنه يعتبرها مجرد تخدير، أي تغييب الإدراك بواسطة التلاعب بالمتناقضات إلى درجة أن المخاطب لا يدري ما الذي يقصده الخطاب، لأنه خضع لعملية التخدير وغاب إدراكه، هكذا يعرف سقراط في محاورة السوفسطائي»، هذه الصناعة التمويهية بأنها: «فن اقتناء عن طريق قنص مخفي» ويشبهها بطريقة صيد الأسماك بالخطاف الذي يتم نهارا وطعنها من أسفل، لكن هل يصطاد الإنسان أم الحيوان؟.
    يجب أن نأخذ هذا التشبيه بجدية من أجل أن نتمكن من تفكيك الخطاب السوفسطائي والتحكم في هويته وجعله يعترف بأنه يسعى إلى جعل المعرفة حكم خاطئ يدعمه الجدل، ولذلك فإن صاحب هذه الصناعة لابد أن يصطاد نفوس البشر لكي يحصل على ثروة ومكانة في السلطة، لأنه يبيع معرفته مقابل أجر مادام أن لكل عمل أجرا وعمل السفسطة تغييب الوعي من خلال تخدير النفوس واصطيادها، ولو اقتضى الحال تبديل الوجود باللاوجود والحقيقة بالوهم، ولذلك فإنه لا يقدم تعريفا لمعرفته، بل مجرد أمثلة تعتمد على مقدمات مشهورة يؤمن بها مسبقا الذين يستمعون إليه.
    في إمكاننا أن ننطلق من تقديم تعليل بسيط للخطأ الذي يقع على تخوم الفكر والوجود: «فالحكم الصحيح هو أن نحكم على شيء ما بأنه على ما هو عليه، أما لو حكمنا على شيء بأنه على غير ما هو عليه لكان ذلك حكما باطلا ولارتكبنا خطأ». ولعل سقراط يقدم حلا بارعا لمشكلة الخطأ، حين ينطلق من تعريفه للنفس بأنها تدرك الصفات العامة كالهوية والاختلاف والوجود والعدد، وغايته من وراء ذلك هي هدم تعريف المعرفة بأنها إدراك حسي فحسب، لأنه إذا كانت مهمة النفس هي إجراء محاورات مع ذاتها، وحين تصل إلى حل لمسألة ما نقول إن النفس أصدرت حكما، فهل نستطيع أن نعرف المعرفة بأنها الحكم الصائب مدعما بالبرهان؟.
    من أجل الإجابة عن هذا السؤال يساعدنا سقراط بمثال واضح يخترق النفس قبل أن تبدأ في عميلة التفكير، فإذا تصورنا العقل على شكل قفص للطيور، والطيور الموجودة داخله هي أجزاء من المعرفة، فعندئذ قد يحدث من آن لآخر أن نصطاد الطائر غير المقصود، فيكون هذا هو الخطأ… ولكننا إذا أمسكنا واحدا من هذه فإننا نعرف أن هذا خطأ بمجرد أن نمسك به، بحيث يستحيل أن نكون على خطأ». وبإمكان المرء أيضا أن يصدر حكما صحيحا بالصدفة، ولذلك لابد من تعريف فلسفي للحكم الصائب، لأن المعرفة حكم صائب انطلاقا من البرهان، وليس من الصدفة، لكن كيف يمكن أن نغزو مملكة الفلسفة؟، وهل سيسمح لنا سقراط بالدخول والإقامة فيها؟.
    يقترح علينا الحكيم أن نعيش تجربة السجن في الكهف المشهور، ونحرم من نور الشمس ولون الحقيقة كأولئك السجناء المقيدين بالسلاسل الذين لا يرون إلا ظل الوجود، وإذا التمسنا منه تحريرنا من هذه القيود وإخراجنا من هذه الكهف المظلمة، فماذا سيقع لنا؟. الانبهار أمام معرفة الحقيقة، وكأننا تخلصنا من الحداد الذي فرضته علينا معرفة الخطأ السوفسطائية: ذلك أننا لو كنا بعيدين عن الفلسفة لكان حالنا أشبه بحال هؤلاء السجناء، ولا نرى إلا ظلال ومظاهر الأشياء، أما حين نتمتع بالإقامة في الفلسفة فإننا نرى الحقيقة الساطعة من نور العقل الذي يهب لنا القدرة على المعرفة مما يمكننا من الأدوات الضرورية لتدمير الآراء السوفسطائية والدفاع عن آراء أهل المدينة الفاضلة، من أجل تشييد هذه المدينة على أسس الحكمة والبرهان والسياسة المدنية. في ظل هذا الاقتراح السقراطي الذي أبعد كل الذين يصطادون نفوس البشر من شواطئه، نجد أنفسنا نستيقظ شيئا فشيئا من التخدير السوفسطائي الذي حرمنا من ماهيتنا كل هذه المدة وحكم علينا غيابيا بالإقامة في كهف المدينة الجاهلة، فما أن نستيقظ، حتى يخاطبنا صوت اللوغوس قائلا، إن السبب الذي يجعل الإنسان يرتكب الخطيئة هو افتقاره للمعرفة، ولو بلغ مقام المعرفة لما أخطأ. هكذا يكون الجهل هو الشر الذي يحرم الإنسان من الحق في المعرفة، ولكي يصل إلى الخير لابد من المعرفة، ومن ثم فالخير هو المعرفة البرهانية، التي تحرر الناس من الكهف.
    المعرفة خير والجهل شر فعلى الإنسان أن يختار بين الخير والشر، إذ ليست هناك منطقة وسطى بينهما، ولهذا السبب وضع ابن باجة أمام العقل العربي ثلاث مراتب تتحكم في مصيره الأنطولوجي منذ أن ألقي به في العالم. وينطلق ابن باجة من مرتبة الجمهور وهي أحقر المراتب، ثم ينتقل إلى مرتبة النظار وهي مرتبة تجمع بين الجهل والمعرفة ولا تمنح لصاحبها رؤية الأشياء في ذاتها، وهناك مرتبة السعداء التي يحقق فيها الإنسان بما هو إنسان سعادته، حين يمتلك الفطرة الفائقة ويبصر الشيء نفسه. ومن العبث أن لا يصل العقل العربي إلى هذه المرتبة، ويضيع على نفسه فرصة اللقاء بالفكر، ويتيه في الوجدان الملتهبة التي تعجل بانتقاله إلى السماء. ليصبح روحا بدون جسد، وربما سيرتاح من قلق اللذة الحسية التي التهمته، وحولته إلى حيوان منغمس في الطبيعة، بعدما تأخر في تلبية نداء النفس التي حرمت من الحق في الحوار مع ذاتها، ولذلك لم تستطع أن تصدر الحكم الصائب الذي يمكن اعتباره برهانا للمعرفة.
    بيد أن ملكة الحكم هي الأداة التي يتمكن الفكر بواسطتها إنتاج المعرفة، لان الفكر هو بمثابة لوح نقشت عليه علامات الأحكام التي تصدرها النفس من خلال نشاطها الذاتي، وبخاصة عندما تكون عميقة ومشتغلة بعشق مثال الخير ورومانسية محبة الوجود والحكمة: «وإنما في الأكواخ يسكن الموجود الإنساني، ويتدثر بثوب محتشم، لأنه يحرص على وجوده الحميم أكثر من حرصه على أي شيء آخر، وفي محافظته على الروح كما تحافظ الكاهنة على النار المقدسة، يكمن ذكاؤه. ولهذا منحت له حرية الاختيار والقدرة العليا على التنظيم والإنجاز… ولهذا أيضا أعطيت اللغة – وهي أخطر النعم – إلى الموجود الإنساني».

    كاتب من المغرب
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: زمن البؤساء… ما العمل؟ د. عزيز الحدادي Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top