src=' خرير الذكرى : قلولي بن ساعد / قاص من الجزائر - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الثلاثاء، 4 أبريل، 2017

    خرير الذكرى : قلولي بن ساعد / قاص من الجزائر

    تذكرت أبي ولم أعد أذكر سوى أنه قال لي كن يا ولدي إبنا بارا بالأرض فهي خيمة من لا خيمة له تولى الغابرون شأوها بأن قاموا بإستعادتها من بين أردية الوحش المعبأ
    بالغل الذي لم نحن له رؤوسنا وهاماتنا العالية علو نخيل الصحراء التي فينا وفي رملنا وعلى هذه الأرض التي أوصاني بها أبي خيرا وبرا رأيت عمر العيفاوي يمشي حافي القدمين في الشتاءات الماطرة وأنواء الريح والبرد والصقيع الذي كسر أنياب الشجر والحجر والحيطان الهرمة كعجوز فقدت بعلها أو أبناءها وبناتها ونادرا ما كنت أراه يتوسد ركبة الشمس الدافئة التي كان يسميها  عيشوش ثم يطلب منها أن تهدهده كطفل رضيع أو تغني له بعض الأغاني الصحراوية الشفافة درءا للحزن والحسرة وللفائف الكذب والضحك على أذغان الشعوب التي أذلها الفقر والمسغبة والشقاء الذي شوه النهار وأحاله إلى كتلة من سحاب داكن ينتهي خائرا عند أقدام ليل عربي ( كموج البحر أرخى سدوله بأنواع الهموم ليبتلي ) كان عمر العيفاوي حارس المدينة وعلامتها الضوئية التي لم تمحوها الأيام والسنوات المتعاقبة رغم أنه غادر الحياة حزينا منكسرا في عز الشتاء لما لم يعد بإمكان عيشوش حين (وهن العظم وإشتعل الرأس شيبا ) التوجه صوب المدينة بمعية إبنتها سناء فتهفو إلى لقياه مبتهجة لمرآه بطلته الواثقة وقامته الفارعة وسمرة وجهه العربية التي لا تخطئها عينيها الدامعتين لحظة رؤيته والجثو عند قدميه العاريتين ....ثم تشرع ماسحة عن عينيه الصافيتين وعن ذاته وجسده المسجى أمامها وجع الأيام وغبار الأساطير التي علقت به كأحجية أو كأصداء عارية لتعيد إليه ذلك الولع بالناس والدنيا التي طلقها منذ أن غادر بيته شرق المدينة عندما قام بنحر " مخلول " * قبل أن تتوسل إليه (عجوز من الغابرين ) بالتراجع عن قرار نحره لمخلولها العزيز عليها مقابل مبلغ من المال سقط على إثر ذلك صريعا فهوى تحت نياط وخشخشة من جنون غادر بعدها أسرته وزوجته العليلة تاركا إياها في (حضرة إلاه لاينام ) فكانت تنفلت من بين أصابع يديه الخشنتين لتوزع دفئها على أطراف جسده البارد مرة يراها أمامه ومرة خلفه وأحيانا يندثر أثرها تماما وحين تتملكه الحيرة والوحدة تعود إلى الظهور من جديد...رغم أنه لا أحد كان يدري كيف تمكنت عيشوش صباح ذلك اليوم الذي تساقطت فيه الثلوج بكثافة على أسطح البيوت الواطئة والممرات الآهلة بالبشر المأهولين بأثلام البرد والعراء والزمهرير الذي ران عليهم بغتة معها إلى باحة حوشها في الضاحية الشرقية من المدينة خشية منها عليه من غفوة دائمة أو من شدة البرد وحين رأى زوجته العليلة هناك تردد إسمه (عمر....عمر....عمر....) بصوتها الواهن بكى أمامها كما لم يبك أبدا في حياته ثم سرعان ما إختفى بسرعة فائقة عائدا إلى ركنه المفضل الذي إستهواه منذ سنوات قال لي حين دعوته إلى فنجان قهوة دامع العينين بصوته المتهدج الخائر عندما تزورني الشمس ( وكان يعني عيشوش) أخال نفسي صبحا أو طفلا أغراه ضوء الصباح فأنثال وراءه غائصا بين تلابيب الحلم والسماء التي ستمطر حبا وذهبا ولؤلؤا ومرجانا لكني أستغرب عندما أراها تنفصل عن كونها فكرة مجرد فكرة لتتحول إلى شمس الحقيقة هاربة من سطوة الزمن والناس والغل الذي سكن القلوب فأحالها إلى رماد أغشى العيون الرامدة المتلصصة عليها وعلينا ....كم كان مؤلما حين أخبرني أنها تشعر بالمقت والإستياء مما يريده الشتاء منها حين يحجب عنها رؤية عمر العيفاوي مطلقا مزامير ضحكته البريئة وقهقهة طويلة تنتهي بإختفائه المفاجئ كأن لم يكن ولم أره ولا كان معي يرتشف بإيقاع ساحر قطرات من قهوته المفضلة " فرارة " وقبل أن أغفوا من خرير الذكرى و سحر الحكاية وشهوتها حكاية عمر والشمس وعيشوش والمخلول والعجوز وسناء التي لم يحدثني عنها ولا عرفت عنها شيئا فقد غفوت من سراب حلمي الغريب وصحوت من النوم على صوت إبني يلهو مع قطة من فصيلة السيامو محدثا جلبة وفوضى في البيت .. لم أصدق أبدا أنه كان وسيظل لقائي بعمر العيفاوي والجلوس معه بمقهى "الكلوة" مجرد فكرة وحلم غريب صوره لي خيالي المريض عندما كنت نائما كما لو أنه حقيقة بينما هو (كسراب بقيعة يحسبه الضمآن ماء )
    هامش

      * المخلول: هو الحوار أو الجمل الصغير  
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: خرير الذكرى : قلولي بن ساعد / قاص من الجزائر Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top