src=' رجل الضّباب : بيانكا ماضيّة - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الجمعة، 12 مايو، 2017

    رجل الضّباب : بيانكا ماضيّة

    هاهي شجرةُ الفردوسِ التي أحبُّ تفرعاتِها ...
    إنها في أبعدِ نقطةٍ ضمنَ المشهدِ المؤطرِ الذي يرتمي أمامي الآن...
    أحبُّ هذه السكينةَ التي تعطيها وقاراً ... كأنها ارتفعتْ ليكونَ إلى جانبِها رجلٌ قادمٌ إليها من المجهولِ ، يسيرُ إليها كمنْ يمشي إلى حتفه !
    إلى أيِّ مصيرٍ تأخذُك قدماكَ أيُّها الرجلُ ؟
    الطريقُ طويلةٌ ومازلتَ تحبو كطفلٍ نحو تلك الشجرةِ ولن تصل إليها، سأدعُك تتوقف في هذا المكان ...
    بينَك وبينها أميالٌ من الاشتياق، وجبالٌ من الهدى، هيهات أن تصلَ إليها، ولن تصل، سأجعلُك ترى المكانَ ضبابياً ...
    أنتَ الآنَ تنظرُ إلى البعيدِ، يأخذُك الشوقُ إليها، ويدبُّ الحنينُ في أوصالِكَ لتمسكَ بفرعٍ من فروعها ... لكنكَ لاتستطيعُ بلوغَ مأربِك؛ لأنَّكَ لم تدركْ بعدُ أسرارَ حقيقتها ...
    كمْ همستْ لك بإيقاعاتِ جسدِها، بإيماءاتِ أصابعِها كي تدخلَ نسغَها، فتعرف من أيِّ جذورٍ تتشربُ، من أيةِ تربةٍ تسري الحياةُ إلى جذعِها؟؟!!
    أنتَ سائرٌ وجسدُك مفعمٌ بالتيه، تبحثُ عن أقصر طريقٍ لتصلَ إليها، ولكن هاهي الطريقُ ...
    سأجعلُها طويلةً وطويلةً جداً، وذاتَ منعرجاتٍ والتواءاتٍ كثيرة، ستشعرُ بالتعبِ وأنتَ سائرٌ في حدودِها الضيقة، فوقَ حصاها التي ستتعثرُ بها، ولكنك لن تملَّ فهي هدفُك وأنتَ من ترنو إليه بعينيها، بخضرتها، بتفتحِ أزرارِ صباها ...
    هي كشجرةِ الزيتونِ، لايعريها شتاءٌ، ولايصيبها قحطٌ أو جدبٌ، ستبقى تومئُ إليكَ من ذاك الأفقِ البعيدِ، ولن تألو جهداً لتدلَّك إليها، لترمي إليكَ بثمارٍ ناضجةٍ يهفو قلبُك إليها لتلتقطَها مكللةً بالندى ...
    تميلُ إليكَ بقدِّها فتخال أنَّ الضبابَ انقشعَ من طريقك، وأنكَ تراها الآن مثلما لم يرَها أحدٌ من قبلِك ...
    ولكنك لم تدركْ بعدُ أيَّ الطرقِ أقصرُها إليها ..
    سأجعلُكَ متعثّرَ الخطا، هائماً على وجهِك بحثاً عن رفيفِ خيالها ...
    تظنُّ أنها هناك في البعيدِ جسداً مزروعاً في أديمِ بستانك، وأنَّ طريقَك إليها محفوفةٌ بالريحان ...
    سأجعلُ سبيلَكَ مملوءةً بالأشواق، مترعةً بوهجِ الانطفاءِ، ينزعُ إلى أن تستظلَّ في واحتِها ملقياً عنك تعبَ الحياة، ولكنْ أنى لقدميكَ أن تصلَ إلى ضفافِها ؟!...
     مازلتَ أيها الرجلُ الذي بعثرَ ذاكرتَه للوصولِ إليها بعيداً عن ظلالها المرميةِ أمامكَ ...
    قدماكَ لاتزالان في خطواتهما الأولى، في حبوك الطفولي نحوَها، تَوَدّ أن تفترشَ أعشابها، أن تتوسدَ حضنَها لتأتيكَ الأحلامُ في غفلةٍ منك، وهي تَود أن تصنعَ لكَ أساطيرَ من عشقٍ وولهٍ واخضرار...
     انظر إليها؟
    هل تدري أنها خبأتْ لك عناقيدَ السكر في رضابها، كي ترتشفَ رحيقَ روحها؟
    تصنعكَ في خيالها إلهاً لمملكتها، إلهاً لايَود استعبادَها، تجعلك نبعاً يفيض زلالاً يسقي وجدَها، نبعاً تدفُّقُه أنهارٌ وبحارٌ وأكوان ....
    هي مرآتُك ...
    هل ترى في نورِ صفحتِها بهاءَك؟
    غُص في أعماقها لتدركَ ذاتَك ...
    أطلقْ لها تباريحَ الهوى وانظر كيف ستغفو على ساعديك هديلاً عزَّ عليه اليمام ...
    مصلوبٌ أنت على جلجلةِ جسدِها، وتودّك أن تكونَ حلماً صاعداً إلى السماء بجناحيها ..
    مابالُك لاتنسجُ من صباحاتها حكاياتٍ لأزمنةٍ لم تأت؟!
    ستبقى في هذه الرقعةِ من المكان، ثمارُ لوزِها وجلنارِها والعقيقُ المخبأُ في لحائِها تنضحُ الآن ضياءً، وأنتَ بقامتِكَ البعيدة ترسلُ أشواقَكَ للحنايا، للزوايا، للندى على الأوراق، وتتزاحمُ الكواكبُ في مداراتك، وتبقى هي القمرُ المغتسلُ بماء روحِكَ ...
    الطريقُ طويلةٌ يارجلُ الضَّباب، يا أيها المستحمُّ بنورِ وجهها، تخالها واقعاً، مسافةً من مدِّ الذراع، ولكنها حلمٌ يأتيكَ ليوقظَ الحنينَ في ذاكرتِكَ ...
    تجترحُ لكَ المعجزاتِ وتلوِّن حنينَها إليكَ فتصنع لوحاتٍ من روحِها لم تخطر على بالكَ قطّ، وتخالُ أنك تدري جوهرَها، لكنكَ لم تبلغْ مداها لتدرِكَ سطوحَ ماسِها ...
    ألم تأتِكَ في أحلامِكَ لتصنعَ عوالِمَكَ؟!.
    لن تملَّ المسيرَ إليها ...
    هاهي أمامَكَ في المدى البعيد، والطريقُ طويلةٌ إليها ...
    سأفرشُها لكَ الآن ورداً وأقحواناً كي تقطفَ لها ألواناً من ربيعِكَ، فتخال الطريقَ قصيرةً، وأنت تلهو على ضفافِها!!!
    سأجعلُ تلكَ الشجرةَ تفتحُ ذراعيها لك أكثر، كي تلمسَ مدى عشقِها لك، ومدى اشتياقِها لإطلالةِ وجهِكَ، وسأجعلُ هنا وميضَ قمرٍ ينيرُ دربَكَ!!
    كم جميلٌ هذا المشهد الذي أمامي الآن، لم يبقَ شيءٌ لم أضعْه نصبَ عينيّ، كلُّ ملمحٍ فيه كائنٌ كما هو في مخيلتي !!
    الآنَ بإمكاني أن أزيِّنَ الحوافَ بالألوانِ التي تناسبُ رجلاً وامرأة وقمراً يرنو إليهما من البعيد، يلقي بهمساتِه في دربِ ذاك الرجلِ؛ كي يلتقطَ هسيسَ حروفٍ يهديها نغمةَ قصيدةٍ لعينيها...*      *      *
    رجعتْ خطواتٍ قليلةٍ إلى الوراء لترى اكتمالَ اللوحةِ التي بدأتْها بجذعِ تلك الشجرة، بأغصانها وتفرعاتها، وكانت النشوةُ قد بلغتْ مداها في روحِها، ثم جلستْ على كرسيٍّ لايبعد كثيراً عن حاملِ لوحتها، بعد أن تركتْ ريشتَها وألوانَها جانباً، وراحتْ تتأملُ اللوحةَ وفي ذاكرتها رجلٌ خطواتُه تومئُ إلى أنه مثقلٌ بالحكمة !!!!
                                 سيرة الكاتبة 
    - مواليد حلب 1970
    -إجازة في الآداب والعلوم الإنسانية، قسم اللغة العربية، جامعة حلب،  1991
    -دبلوم الدراسات العليا، قسم الأدبيات، جامعة حلب عام 1995.
    -أعد رسالة الماجستير بعنوان (شعرية الفضاء في الرواية النسوية السورية) في جامعة حلب.
    -كاتبة وصحفية وقاصة.
    -عضو اتحاد الصحفيين في سورية .
    -رئيسة القسم الثقافي في صحيفة الجماهير بحلب.
    -عضو أسرة تحرير مجلة ديوان العرب الإلكترونية.
    -عضو هيئة تحرير مجلة الضاد الحلبية لمؤسسها عبد الله يوركي حلاق.
    -عضو اللجنة الثقافية والإعلامية لنادي شباب العروبة للآداب والفنون بحلب.
    -أكتب المقال والدراسة الأدبية والزاوية الصحفية وقصيدة النثر والقصة.
    -أنشر في الدوريات المحلية والعربية منذ العام 1994.
    حائزة على  جائزة الدكتورة سعاد الصباح للإبداع الفكري في مجال النقد للعام 1995
    عن النتاج الموسوم (المدينة في شعر نزار قباني)
    الصادرة عن دار سعاد الصباح للنشر والتوزيع (دولة الكويت).

    طبع لها:
    - سليمان الحلبي .. أول منتقم للعرب من العدوان الغربي الحديث،
    دار الشرق الجديد ، دمشق 2007

    قيد الطبع:
    - رجل في الذاكرة (مجموعة قصصية) .
    - ثمّة شيءٌ حارٌّ ودافق (مجموعة قصصية) .
    - المدينة في شعر نزار قباني (دراسة نقدية).
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: رجل الضّباب : بيانكا ماضيّة Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top