src=' الدار البيضاء- جنيف” قاسم الغزالي وحقه في الإلحاد” - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الجمعة، 12 مايو، 2017

    الدار البيضاء- جنيف” قاسم الغزالي وحقه في الإلحاد”

    كان كتابه خلاصي وانا على فراش المرض.
    اهداني نسخة رقمية منه قبل نشره.
    أراد رأيي.
    اخذت التابلت معي إلى المستشفى. كان ذلك في شهر فبراير الماضي. قلت لنفسي
    سيكون رفيقي بعد عملية نزع المرارة.
    عندما خرجت من غيبوبة البنج وأثارها الجانبية المنهكة، امسكت به، بدأت أقرأه، وعندما بدأت لم أستطع أن أضعه جانباً، لم أتركه إلا بعد أن أكملته. التهمته.
    وجدت نفسي انسى المستشفى، وفراشها الذي لا اطيقه، وحتى جسدي المكلوم بضمادات تخفي أثار مقص الجراح، انسى كل هذا واعيش معه رحلته… رحلة شاب مع الغربة والألحاد.
     الغربة في وطن لا يقبله كما هو. وطن يريد منه أن يكون منافقاً كي يقبل به.
    لكنه رفض ان يلعب لعبة النفاق التي اعتدنا عليها، نمارسها كل يوم، يمارسها الكثيرون وتمارسها الكثيرات. كم منا يقول الكلمة وهو يقصدها فعلاً؟
    رفض أن يساق كالمواشي، رفض لعبة النفاق. ثم قال “سأكون كما أنا”. كتب ذلك في مدونة ظن أنها توفر له الأمان من الملاحقة، فتعقبه من كره فكره حتى وجده.  فكان الثمن غالياً. اعلنوا اسمه، ثم تعرض للاضطهاد والملاحقة من زملاءه، من مدرسيه،  من أهل قريته، ثم طردوه من المدرسة بقرار تعليمي. قرار سلطوي يقول “إن مواقفه من الإسلام تشكل خطراً على إيمان التلاميذ” ويتهمه “بالدعم الأجنبي لزعزعة عقيدة المؤمنين”!! هكذا!
    كم مرة سمعنا هذه التهمة؟ اصبحت ماسخة من كثر ما استخدمت ضد كل من يجرؤ على التفكير.
    فخرج من منفى الوطن إلى منفى اللجوء، هرب من الوطن الغريب، إلى وطن لا يعرفه، كي لا يُقتل باسم الرحمن.
    —–
    الكاتب هو المدون المغربي المعروف، قاسم الغزالي. هل تذكرانه، عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة؟
    هو صاحب العبارة الشهيرة: “أنا لم أختر أن أكون مسلماً كي أترك الإسلام”.
    هل تذكرانها؟
    جعلتني ادرك يومها ما يعنيه أن يُفرض على المرء شيئاً لا يريده.
     هو لا يريد أن يكون مسلماً،  بيد أن مجتمعاتنا، ورؤيتنا للدين ثم الدولة تصر عليه أن يؤمن غصباً عنه: “تؤمن بالقوة أردت أم لم ترد”.
    ولأن الإيمان أصبح غصباً، ضاعت حلاوته. لم يعد نغمة سلام تنشدها الروح للرحمن حباً.
    لا. لم تعد كذلك. بل تحولت إلى سوط نقرع بها على ظهور شبابنا وشاباتنا.  فهل نلومهن؟ هل نلومهم؟ أم أنفسنا؟
    والشاب لا يؤمن. غير مقتنع بوجود الله. شأنه. والله عز وجل لا يبدو لي منزعجاً. لكن عدم إيمانه يزعجنا نحن، يثير غضبنا نحن. يخيفنا نحن ويظهر ضعفنا نحن. في الواقع يكشف عورتنا، وضعف ما نقول إننا نؤمن به.
    ثم توالت التهديدات عليه بالقتل!
    ——
    قاسم الغزالي أول ملحد مغربي يعلن إلحاده ويدافع عن حقه في حرية التعبير، حقه في أن يكون كما هو. وكتابه هو رواية بعنوان “الدار البيضاء-جنيف: رقم الرحلة 8J540“، نشرتها دار شمس للنشر والأعلام المصرية قبل أشهر. 
     كتابٌ يستحق أن يُقرأ، ليس فقط من زاوية ادبية.
     هو كاتب اديب. هذا لا شك فيه.
    وهذه روايته الأولى وهو في الثالثة والعشرين، ولذا كما قلت في الندوة التي شاركنا فيها انا وهو قبل نحو عام في جامعة زيوريخ، أني أتوقع له أن يكون مفكراً عربياً/امازيغياً عظيماً.
    لكن المسألة اكبر من رواية أدبية.
    هي مرآة للمستنقع الفكري الآسن الذي يعيش فيه شبابنا وشاباتنا.
    مرآة لواقع نعيشه اليوم. يظهر لنا مدى تغلغل التطرف الديني في مجتمعاتنا بمباركة الدولة. كيف يتسلل إلى عقول شبابنا، كالأفعى، تلدغها فتخدرها، ليتحولوا إلى قطعان آلية، تؤمر فيطيعوا. دون تفكير. دون تدبير. دون تمحيص. والدولة تصفق مبتهجة.  فأكثر ما تخشاه دولنا المستبدة الفاسدة هو عقلٌ يضج بالتفكير.
    يقول في كتابه “بأوطاننا، أيضاً نمارس كابوس الانتظار، ننتظر طويلاً جداً إلى أن نفقد الأمل. ثم نخلع كل شيء جميل أمام قدر الأيام اللا منتهية ويلبسنا اليأس، تغادر نومنا الأحلام لتعوضها الكوابيس وتحملنا الفاقة والهوان بعيداً إلى كهوف الظلام، حيث تعيش خفافيش السياسة تتغذي وتسمن من مص دمائنا بمباركة من الملك والله”.
    عقل قاسم الغزالي كان يضج بالتفكير حتى وإن سال دمه منحورا، ممتزجاً بالسم صامتاً.    
    قصته قصة شاب يعيش في المنفى. منفياً داخل صقيع الوطن. ينتظر كثيرا. يخاف كثيرا. ويبلع صوته دوما. يغيب صوته امام ابيه وجده وعمه. ومنذ متى نستمع إلى اصوات ابناءنا وبناتنا، ثم نحترمها؟
    كم من شبابنا وشاباتنا يعشن في المنفى؟ الخوف يعشش في الأنفس، والألسن ملجمة، تداري الكلمات ذعراً؟ كم منكما يعرف هذا الخوف؟ كم منكما يفكر ثم يقول الكلمة كما يفكر فيها؟ اسألكما، لأني أعرف الإجابة.  
     وبطل روايتنا رضع من غربة المنفى صغيراً، ثم جرب التطرف الديني مراهقاً، فتحول إلى مستبد يحطم اشرطة الموسيقى لأنها حرام، يفرض على أخته الحجاب وهي في الثامنة، زهرة يانعة كتم انفاسها بأصفاد من قماش.
     ويصلى خمس مرات يومياً، بعناد، بقسوة، ودون وضوء.
    دون وضوء.
     كان متطرفاً ولا يؤمن بالله! ودلالة ذلك عظيمة.
    دلالة ذلك عظيمة.  لأن كثيرا  من شيوخنا ومتطرفينا لا يؤمنون. هي ثقافة كراهية يجترعونها، ثم يقولون هو الدين.
    كاد السم  ان يفتك به في المعهد الديني الداخلي الذي ارسله والده إليه. أراده أن يتعلم، فغسلوا عقله. وسقط منهكا.
    فأنقذته امه. تلك التي تؤمن بالله محبةً. لا كراهية.
    اقسمت على زوجها أن لا يرسله ثانية إلى وكر الأفاعي من جديد.
    حينها فقط بدأ يتنفس. عمه المتعلم عّرفه على مكتبته. فنهل من كتب لا تعرف الرقابة. فأستيقط عقله. ولأن التفكير الديني المتزمت خنق عقله، تمرد عليه، ثم قرر ان يعترف لنفسه بحقيقة كان يعرفها حتى وهو يمارس التطرف الديني على من حوله: هو لا يؤمن بالله. هو لا يؤمن بالإسلام ديناً. هو ملحد.  
    فدون ذلك في مدونته. واندهش عندما وجد ان هناك الكثير من الشابات والشباب يشبهونه. كان ولازال له الكثير من المؤيدين والمؤيدات. لكن الخوف طمس اصواتهم/ن.
    أسألكما، عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة، لم نخاف هكذا من صوتِ مَنْ يقول إنه لا يؤمن بالإسلام دينا؟ لم نخاف من صوته إلى هذا الحد؟ لم يصعب علينا أن نقبل به كما هو في مجتمعنا؟ كما هو. يعيش كما يريد. كما هو. لم؟
    الإجابة تكشف هشاشة اقتناعنا بما ندعو إليه. كأن اليد الممسكة بالسيف المسلط على عقولنا تدرك أنها إذا تركت السيف يسقط، سيسقط نظامها معه. ولذا تعتمد على الترهيب. وتخشى من الإرادة الحرة. من العقل يفكر مستقلاً.
    قاسم الغزالي دفع ثمن صوته العالي غالياً. أضطر أن يترك وطنه، ذلك الذي لايشبهه، ويغادر إلى المنفى.
    ثم دون تجربته في كتابٍ لا يقرأ ثم يترك جانباً. كتاب يحكي لنا قصة اوطاننا، تلك التي تقتات من أرواح أبنائها وبناتها، ثم تلفظهم إلى الفراغ.
    —–
    في سويسرا يعيش قاسم الغزالي اليوم. يدرس ويرأس في الوقت ذاته “جمعية المسلمين السابقين”. ويكتب. يتنفس الحرية في منفى غربة من نوع جديد.
    غربة في وطنه، ثم غربة في المنفى.
    وحزنٌ تقطر به روحه، هرمت من وطن مستبد، وطن لا يشبهه.
    يقول “حينما كبرت.. أدركت بأن وطني لا يشبهني، ابن لقيط أنا لوطن … مستبد.”
    وطن مستبد، يُدخله في كهف الظلمات، ويتركه عامداً فريسه لفكر ديني متطرف.
    قاسم الغزالي تمرد عليه. فنال حريته غالية.
    ولعله اليوم وهو يتنفس الحرية، سيصنع وطناً جديد، يترك فيها مساحة لفضاء شاسع، يتسع له ولغيره، وكلٌ وما يؤمن.  
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: الدار البيضاء- جنيف” قاسم الغزالي وحقه في الإلحاد” Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top