src=' «ثلاث ليال» لمحمد الأشعري: السلطة ومصادرة الأنوثة رشيد المومني - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الاثنين، 15 مايو 2017

    «ثلاث ليال» لمحمد الأشعري: السلطة ومصادرة الأنوثة رشيد المومني

    توحي فضاءات رواية «ثلاث ليال» للشاعر والروائي المغربي، محمد الأشعري، بحضور جرأة الذهاب إلى عمق الذاكرة التاريخية، أي إلى ما سبقت معرفته، والذي
    يمكن اختزاله في، المكتوب، المروي أو المعيش، باعتباره مكوناً مركزياً من مكونات الذاكرة المشتركة، وجرأة الذهاب هنا، تتجسد في استعادة ما «سبق قوله»، حيث يحتمل الوقوع في شرك تكرار، يؤدي إلى إجهاض الخطاب من متعة الإدهاش المتحققة عادة بفعل تلقي ما لم يكن منتظراً، أو الوقوع في شرك العجز عن الارتقاء بقوة الإقناع، إلى مستواه الحاضر سلفاً في الأصل/التاريخي، الذي سيكون فعل الذهاب إليه، بمثابة إعلان حرب ضمنية عليه، خاصة أنه أمسى معززاً بكل تفاصيله، المستترة والمكشوفة.
    والملاحظ بالنسبة لرواية «ثلاث ليال» أنها تعمدت في إنجازها لمهمة تفكيك المرجعية التاريخية، تلافي تقنية التشويش البلاغي، كي تمعن بدلاً من ذلك، في ممارسة تأصيل هذه المرجعية في أفق تعرية وفضح، مآسيها، الموغلة في القسوة والمرارة، عبر كشف ما تخفي طي تضاعيفها من عدوانية، وعبر اختلاق كمائن جمالية، تستفيد من سلطة التخييل، التي لم تتوقف عند مهمة وضع الخطوط العامة للرواية، بل تجاوزتها إلى تفجير أحداث مشهدية، موزعة على فضاءات النص، من داخل أنساقه، وليس من خارجها، وهي المشاهد الممهدة للانقلابات النصية الكبرى .
    إن اشتغال الرواية بالمرجعية التاريخية، يتحقق عبر الإيماء السردي، الذي يتفادى الاسترسال في تفاصيل، قد تؤدي إلى الإيقاع بالكتابة في كمائن المعلوم والمتداول، من دون أن تصرفنا جماليته عن إغفال جرأة المخاطرة، الناتجة عن تماس خطاب المتخيل، بخطاب الذاكرة التاريخية، علماً بأن المتخيل في هذا السياق تحديداً، معنِيًّ بإضفاء نسبة كبيرة من الحقيقة على الأحداث المشهدية . لأنه، وبفعل تملكه التلقائي لزمام القراءة، يتمكن من تجاوز إطاره المنغلق ليصبح واقعاً معيشاً، بفعل قوة التجسيد المشهدي، التي يحققها التفجير الضمني للتفاصيل الملموسة، كي تكون مصدر غواية للمتلقي، وعاملاً أساسياً من عوامل استمالته.
    ضمن هذه العلاقة، تحضر مأساة المحظيات في النص، ليس فقط على مستوى الذاكرة المغربية، بل على مستوى التاريخ العربي والكوني. وحضور المحظيات في النص، لم يرد فقط على سبيل التوظيف الأسلوبي لشعرية تعبيرية، بل من أجل تصعيد الوعي بمأساة اغتصاب إنساني وأخلاقي ممنهج، يطول حياة الجسد، بأحلامه، وشهواته الحميمية وكرامته. إنه الاغتصاب المتعدد الأبعاد، والمدمر للهوية الذاتية والجماعية .
    فالمحظيات في النص، يتوزعن على طول وعرض خارطة الوطن، وعلى امتداد الأزمنة المغربية القديمة والحديثة، المعبر عنها بثلاث ليال .حيث ترمز الليلة الأولى إلى زمن الباشا الكلاوي، الذي كان عميلاً للاستعمار الفرنسي في جهة مراكش.
    وترمز الليلة الثانية إلى ما يتعارف عليه بزمن الرصاص، فيما ترمز الليلة الثالثة إلى العهد الجديد، الذي يجسد اليسار أحد أهم رموزه، وضمن مفارقة لا تختلف فيها ترسانة السلطة القمعية، عن ترسانة السلطة النضالية ففي كل من الأزمنة الثلاثة، هن مطالبات بتجهيز أجسادهن، لإطفاء عطش رغبة بهيمية، قد تعود للباشا، للحاكم، أو لمناضل من فصيلة اليسار. والخطاب السردي في الرواية، يمارس تشريحاً درامياً على جسد المحظية، وعلى بنيتها الذهنية والسيكولوجية . إنها لا تتملك رغبتها، لأنها لا تتملك جسدها. إن دورها يتمثل في رعاية هذا الجسد، حيث ما من مجال لأي حوار جسدي محتمل أوتواصل، عدا عنف الاغتصاب، وعدا شبقه المرضي، وهمجيته.
    ففي قلب هذه المفارقة، استطاعت «مينة «محظية الباشا الكلاوي- مثلاً – أن تنتزع خصوصيتها التمردية، بالتزامن مع أفول فحولته، كي تنتقم لكل محظيات القصر، من خلال حيازتها للوصفة السحرية، التي خولت لها إمكانية التحكم في قانون الانتشاء، حيث أمست متحكمة في زمام الشهوة، بفعل حيازتها «لسِرٍّ ما «، أن تسرق روح الباشا منه، كي تستمتع بممارسة تنكيلها به.
    إن الجمال في الليالي الثلاث، هو الذي يقود النساء إلى حتفهن، متحولاً بذلك إلى نقمة أي إلى عدو متواطئ، يفتك بذات الأنثى، بمحيطها الأسري، بحياتها الطبيعية، وبمصائرها. إن غرف النوم بكل ملحقاتها، تتحول إلى مخافر للتنكيل بهبة الجمال، والى عيادات علقت السلطة على حيطانها مرايا تتفقد فيها تشوهاتها، وعاهاتها المزمنة. أيضاً تأخذ غرف النوم شكل مقابر مؤجلة، ومستودعات إضافية لإمتاع فائض الرغبة، لذلك فان السلطة تتهيب من خطر احتمال غروب جسد الأنثى، بما يعني إن الافتتان يتوجه أولاً وأخيراً، إلى جسدها، وليس إلى شخصيتها، بوصفها كائناً بشرياً له مكابداته العاطفية والاجتماعية والفكرية، الشيء الذي يفسر دلالة الغياب المطلق لعاطفة الحب كقيمة إنسانية، كي يهيمن بدلاً منه، الشبق الأعمى، العدواني والمرضي .
    أيضاً هناك استشراء حالة الرعب من احتمال غياب الفحولة، التي تعني الحضور المباشر للموت، باعتبار أن مشروعية السلطة تتأسس على مدى ما تتمتع به من فحولة، الشيء الذي يحيلنا على تلك الرؤية الميطولوجية، التي تجعل من الحاكم مصدراً وحيداً للخصب وللتخصيب. إن صلبه هو المهيأ دون غيره للحفاظ على استمرارية النوع الحقيقي، وما عداه ليس سوى مخلوقات جديرة بالموت. الشيء نفسه بالنسبة للأجساد الممانعة وسط المحظيات، أوالمنافسة في عملية التخصيب على المستوى الذكوري، فالسلطة المستبدة من منظور الرواية، قادرة على الفتك بكل من تسول له نفسه التلاعب بما تقره، وما تسنّه من معادلات.
    وفي مقابل ذلك، تتفاقم هموم الأنثى، الناتجة عن توتر علاقاتها بهويات جسدها المتعددة، وقد أمسى مباحاً لكل ما في القسوة من احتمالات، حيث ما من جسد هناك، لان الجسد يكون محتجباً تماماً حينما يكون مرئياً بعين الشهوة السلطانية، حيث لا يبقى ثمة سوى الشهوة المتعالية التي تفتك بذاتها عبر جسد المحظية الذي يكون مكبلاً تماماً، والذي يكون غائباً عن جسده، وعن جسد السلطة. انه يكون هناك غائبا في قلب تلك الدكنة القصية التي يتخبط فيها جحيم الأسئلة.
    إن الجسد في الرواية هو مكان استجابة مستحيلة، طبعا الأمر لا يتعلق بمجرد إسقاط، أوبشكل من أشكال غواية القراءة بنداءات شبق، يسري دبيبه في أوصال النص. إنه نوع من التعبير الضمني عن مجمل الانتكاسات والتأزيمات، التي تعاني من ويلاتها المجتمعات والأشخاص، عبر مرايا الجسد، بفعل تضخم حالة الفقد، الذي يقف حاجزاً قاسياً بين الجسد الفعلي وبين جسد الحلم . إن هذه الهموم تظل حاضرة، حتى في اللحظة التي يتحقق فيها حلم المحظية بالانفلات من أسر السلطة، لان ضرورة توفير منهجية الانفلات /الانعتاق، تظل على درجة كبيرة من الملحاحية، في ظل عجز الذات عن تدبير شروط التكيف مع المحيط الخارجي، بعد زمن طويل من معاناتها لمحنة مصادرة حقها في الوجود.
    لكن «لا أحد ينتصر على الشقاء»، تلك كانت صرخة الرواية، التي تعكس الاحساس اللانهائي بعمق الفجيعة. إن الأمر لا يتعلق بموقف استسلامي، بقدر ما يتعلق باختراق الإهانة لجوهر الكينونة. وبالتالي فإن انتصار الشقاء، هودليل الحضور الفج الذي لا تكف عن ممارسته همجية اللاإنساني، وعدوانيته، على جسد النساء، هنا والآن.

    ٭ كاتب مغربي
    القدس العربي

    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: «ثلاث ليال» لمحمد الأشعري: السلطة ومصادرة الأنوثة رشيد المومني Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top