src=' هؤلاء وأولئك … أكثرُ منّا إيمانًا! فاطمة ناعوت - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الأربعاء، 24 مايو، 2017

    هؤلاء وأولئك … أكثرُ منّا إيمانًا! فاطمة ناعوت


    عزيزي القارئ، إن كنتَ تظنُّ أن قشرةَ البندق، أهمُّ من ثمرتها التي في قلبِها. فلا تقرأ هذا المقال، فهو ليس لك، بل هو لمن يؤمنُ، مثلي، أن الثمرةَ المعطوبة،
    لا قيمة لها وإن كانت قشرتُها برّاقةً زاهيةً تسُرُّ الناظرين. هذا المقال لمن يعتقد أن الجوهرَ أولى من المظهر، وأن المضمونَ أهمُّ من الشكل. الكأسُ: مظهرٌ، شكلٌ، وعاء. أما السائلُ داخل الكأس، فهو الجوهرُ، وهو المضمون، وهو الفكرة. ولولا السائل، ما كانت الكأسُ. وإن غاب السائلُ، ما الحاجة إلى كأس؟ هل يروقُ لك كأسٌ من البلّور الثمين، يحمل في قلبِه رشفةَ سُمٍّ زعاف؟! هل تمدُّ له يدك لترتشفه لحُسن الكأس وبريقه؟ أم تكسره، وتلتقط كوبًا بسيطًا يسكنه الشهدُ الشهيُّ والإكسير الطيب؟ 
    عزيزي القارئ الكريم، إن كنتَ تعتبر أن الدينَ، أيَّ دين، هو مجموعةٌ من الطقوس والعادات والأفعال والحركات الجسدية، وفقط، مثل كثيرين ممن لا يتجاوز تدينُهم ممارساتٍ وطقوسًا يؤدّونها في أوقات معلومة، "ولّما يدخل الإيمانُ قلوبهم"؛ فإنما أنت مَن اعتبر أن قشرة البندق أهمُّ من الثمرة. فالإيمان بالله، هو الثمرةُ وهو الإكسيرُ وهو الجوهر، بينما الطقوسُ هي القشرةُ وهي الكأسُ وهي المظهر. وهذا المقال لمن يدركون أن الإيمان هو الغاية، والتدين هو الوسيلة. فإن كنت من عبّاد الوسيلة، وتاركي الغاية، فرجاءً لا تُكملْ المقال، فأنت أولى بالدقائق التي ستنفقها في قرائته. اغتنمها في شيء أفيد. ثم تأمل ما قاله فيك مولانا "جلال الدين الرومي”: “اذْهَبْ، واسْعَ وراء المعنى، يا عابد الصورة”. أما إن كنت تعتقد، مثلي، أن الدينَ، كلَّ دينٍ وأيَّ دينٍ، هو جوهرٌ ورسالةٌ وبِنيةٌ أخلاقية وروحية وسلوكية وتربوية، فهذا المقالُ لك، وأهلا بك على صفحته.
    ثمة رجلٌ من أبناء عقيدتي، يذهب لصلاة الجمعة، فقط، حتى لا "ياكل أبناء الحتة وشّه"، ولا يصلّي الصلوات الخمس، لأن أحدًا لا يراه. هذا الرجل بالملايين. وثمة رجلٌ يصليّ الفروض، والسنن، ويصوم، ويُزكّي، ويحج، لكنه لا يجد غضاضة في أن يجمع بين كلّ ما سبق من "عبادات" و"مظاهر" تدين، وبين أن يمارس كل ألوان الفساد في عمله من رشوة، يرشو أو يرتشي، ومن محسوبية، ومن مداهنة لرئيس، وظلم لمرؤوس، ومن تعيين معدومي الكفاءة من ذوي القربى والنسب، وحرمان الكفء الغريب، والتكاسل عن خدمة المواطنين، بدعوى صلاة الظهر، في مواعيد العمل. ثم يخرج من عمله، فلا مانع أن يتحرش بفتاة في الطريق، فهي مستباحةٌ مادامت خارج بيتها، (لماذا لم تقرّ في بيتها؟). ولا مانع أن يُلقي بعلبة السجائر الفارغة في الطريق، فالجميع يفعل "اشمعنى أنا وهي جات عليا؟!". وإن مرّت به فتاةٌ تضع صليبًا، أو راهبةٌ بتول، لا مانع من أن يفزعها صارخًا: "أعوذ بالله"، كأنما صادف شيطانًا رجيمًا. فإن عاد إلى بيته توضأ وصلّى العصر، ثم تفرّغ لزوجته يُقرّعها لأن الملح زاد في الطعام، ولا بأس من كلمة جارحة أو ونظرة مزدرية. بعدها يجلس للتليفزيون سعيدًا، وبعدما يصلي العشاء، ينام قرير العين، وهو موقن من رضا الله ضامنٌ جنّة الخلد لأنه أدى "ما عليه" لله، ومن ثم فعلى الله أن يمنحه ما وعد.
    برّر الشيخ "سالم عبد الجليل" موقفه الأخير قائلا: (المسيحيون "كفّارٌ" بالنسبة لي، وأنا "كافرٌ" بالنسبة لهم.) فعلامَ الاستنكار؟".
    تلك هي اللعبة اللغوية التي يحاول بها سالم وغيره تخريج كلمة "كافر". فكل طرف كافرٌ بما يؤمن به الطرفُ الآخر. صحيح كتخريج “لغوي”. ولكن ثمة تخريج "اصطلاحي" و"عملي" للكلمة، يتغافلها سالم وشركاه؟! وهنا تختلُّ المعادلة لصالح المسيحيين، للأسف، فيكسبون ونخسر، ويكونون أكثرُ منّا إيمانًا.
    فالمسيحيُّ حين يظهر على شاشات فضائياتنا، لا يرمينا بالكفر فيوغرُ صدور أطفالهم ضدّنا. بينما نحن نفعل. المسيحيّ لا يفجّر مساجدنا بدعوى أنها ديار كفر. بينما نحن نفعل. المسيحيُّ لا يستحلُّ دماءنا، فيقتل مسلمينا وهم صائمون يصلّون ساجدين لربنا وربّهم وهو يقول: “الله أكبر". بينما دواعشنا يفعلون. المسيحيون لا يضعون في مناهج التعليم ما يشحن قلوب الأطفال، منذ بُرعميتهم، بأن الطفل المسلم الجالس إلى جواره في الفصل لا يتساوى معه في حقوق المواطنة وحقوق الإنسانية، التي سبقت حقوق الأديان. بينما نحن من نفعل. المسيحيُّ لا يقول أنا مصريٌّ أصيل، أحمل الهوية "القبطية" قبل دخول الإسلامِ مصرَ بستة قرون وأكثر (وهذا حق)، وبالتالي لي حق الترقّي للوظائف العليا، مادمنا دولة مدنية (وتلك حقوقه). المسيحيُّ يقابل إساءاتنا المتكررة له بالغفران والمباركة والمحبة، ويشكرُ المجرم الذي يقتل ابنه أو ابنته قائلا: “باركك اللهُ فأنت أوصلتهم للسماء مبكرًا.” نحن، المسلمين، نردد ليل نهار باللسان فقط: “لكم دينكم ولي دين"، لكن المسيحيين لا يقولونها بألسنهم، بل يطبّقون الآية القرآنية عملا وفعلا وسلوكًا، مثلما يطبّقون الحديث الشريف: "المسلمُ من سلِم الإنسانُ من لسانه ويده"، وبهذا فإن هؤلاء "أكثرُ منّا إسلامًا".
    وحين نجح الماليزيون مع مهاتير محمد، في تحويل ماليزيا من دولة متخلفة إلى دولة حضارية، بأن سخّروا جل ميزانية الدولة لصالح التعليم والبحث العلمي، وضاعفوا دخل الفرد، وضاعفوا الاحتياط النقدي، ورفعوا حجم الصادرات بمئات المليارات من الدولار، كانوا أكثر منّا إيمانًا وأكثر طاعة لله، وأكثر تمسكًا بجوهر الثمرة، وإكسير الكأس. أما نحن، فنمارس الطقس، وننسى جوهر الإيمان بالله، الذي هو الهدف الأسمى من ممارسة الطقوس. اللهم أبرأ إليك أن أكون عابدة للصورة.
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: هؤلاء وأولئك … أكثرُ منّا إيمانًا! فاطمة ناعوت Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top