src=' بحيرة البجع : إيناس ثابت - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الاثنين، 1 مايو 2017

    بحيرة البجع : إيناس ثابت

    بعيدا من حكايات خيال ألف ليلة والسندباد، وبساط الريح يحلق عاليا في الفضاء، والفانوس السحري يجترح العجائب، وحذاء سندريلا يحملها في خفة الريح، والأساطير
    المبتكرة من مدن السحر وأقواس القزح. هناك بحيرة مقدسة ساحرة كأنما برزت إلى مرأى العين، من حلم طفل سعيد، طرزت حوافها بالورد الأحمر. تقوم على حراستها آلهات الحب،وتفرد أجنحتها الرقيقة الشفافة تظللها، وتحمل ما تبخر من قطراتها؛ لتحيلها نجوما فضية وقناديل نور تزين سماء الليل، وتجمع بين كفيها ندى أوراق الورد، تقبله بفمها الصغير فيصير غزلانا تسابق الريح في البراري والغابات.
    تسبح في مائها بجعات يخطرن بريش من الحرير الأبيض، يرقصن على وقع موسيقى سماوية تعزفها الآلهات، وإلى جانبها شجرة كبيرة وارفة الظلال، بين أغصانها وجوه أطفال مضيئة، ثمارها قلوب ياقوت أحمر، تدعو عصافير الجنة لتهبط من الفردوس الأعلى، فتأكل من ثمارها ثم تحلق لتنشر الحب في أفئدة أهل الأرض؛ من بشر ونبات وحيوان وكل ما وجد على أرضها ومائها أو سمائها..وابنة الشمس ظبية تتوهج بلون الذهب، تستقبل زوار البحيرة من العاشقين الباحثين عن قداسة الحب والجمال وقيم الفضيلة، وترسم قصة الأسطورة على صفحة الماء.
    تقول أسطورة البحيرة المقدسة: إن بلدة صغيرة هادئة يقوم في وسطها قصر عظيم، يقيم فيه حاكم البلدة وزوجته الطيبة. تزين جدران القصر أجمل الرسوم واللوحات الخلابة، التي ابتكرتها أيدي أمهر الرسامين، ممن اجتهدت مخيلاتهم كثيرا لتجود بأزهى وأجمل الألوان، وفي قلب الليالي ترتفع أصوات الغناء، وتقام حفلات الرقص بلا دعوات، حيث يوزع الخبز على أهل البلدة بالمجان. ويقع المخبز على أطراف البلدة، وجدرانه تلاصق بيت الخباز الصغير، حيث يقيم مع طفلته لورين، التي لم تتجاوز تسع سنوات.
    في ليلة من ليالي الاحتفال أثناء الصيف. كانت الطفلة تلهو في الغابة القريبة من البلدة، حينما وجدت بجعة ساحرة الشكل. كانت البجعة المسكينة جريحة ومطروحة على الأرض. رق قلب الفتاة لحال البجعة الجريحة وحملتها إلى منزلها.. ثم راحت تعتني بها وتداويها. وفي صباح اليوم التالي أشرقت الشمس وألقت أضواءها على البلدة، وأنارت وجه الفتاة المستدير وصوت يهمس في مسمعها: أفيقي يا لورين.. اتبعي الدرة الذهبية..هلمي نبحث عن بجعة الأمس الجريحة. والبجعة المسكينة كانت قد اختفت من بيت الخباز..؟ وأنوار القصر انطفأت بعدما أعلن الملك وقف احتفالات الليالي واعتزل الناس، وأغلق باب قصره فلم يفتحه مذ ذاك حتى موعد الصيف من العام التالي. بقي الصوت يزور لورين كل نهار يحثها على اتباع الدرة الذهبية ويلح عليها. تحدثت إلى والدها عن الصوت، فحذرها من اتباعه واصفا إياه بالأوهام وخيال الأطفال.
    مرَّتْ تسعة أعوام كبرت فيها الطفلة ونضج جسدها فامتلأ واستدار، وقد امتهنت وحذقت صناعة الخبز، وصارت تبيعه لمن يملكون مالا، وتقدمه بمحبة خالصة بالمجان للمحتاجين من الجياع والمساكين والفقراء، وتنثر فتات الخبز للطيور وأضعف الخلوقات. وفي إحدى ليالي الصيف من ذلك العام، لمعت درة ذهبية صغيرة على أرض البلدة، حينما خرجت من خلف شجيرات الغاب. وحينما رأتها لورين تذكرت الصوت الذي يلح عليها كل نهار، باتباع الدرة الذهبية منذ سنوات.
    حاولت التقاطها..؟ لكن الكرة تدحرجت  بسرعة باتجاه الغاب، وكأنما كانت تشير لها لتتبعها إلى مكان ما..؟ مرت بأشجار كثيفة الأغصان، كأنها أذرع فتيات متعانقات، ونباتات مخضرة الأوراق، حتى وصلت إلى بحيرة صافية عذبة الماء، وما أن ألقت الكرة نفسها في البحيرة..؟ حتى خرجت من قاع البحيرة مجموعة بجعات بيضاء تحاكي نور الصباح، وكأن ريشهن الأبيض يدل على الصفاء، وحينما خرجن كن يرقصن كالأميرات.. فيرسمن دوائرا على سطح الماء، وكانت تتوسطهن بجعة فائقة الجمال.. لكأنها ملكة هاتيك البجعات، يدرن حولها دوران الكواكب حول الشمس. والملكة تذهب إلى حافة البحيرة لتبلل منقارها، وتروي ورودا حمراء تحف بالبحيرة من الجانبين.
    وحينما أبصرن الفتاة القادمة..؟ توقفن عن الرقص على الفور وخبأت كل واحدة وجهها تحت الجناح. اقتربت لورين ونثرت لهن بعض فتات الخبز مما كانت تحمله في جيبها أكثر الأحيان، تجود به على الطيور والمخلوقات الجائعة التي تصادفها، ثم اختبأت خلف أوراق الشجر تراقبهن بدهشة وفضول وإعجاب. أحست البجعات بالأمان إثر اختفاء لورين،فعادت البجعات للظهور من جديد على سطح الماء، وهن يرقصن بتيه ودلال، كأنهن الطل يعانق الأوراق الخضراء، حينما علا صوت نحيب من خلف الأشجار ولم تخف منه البجعات؟
    تكررت زيارة لورينإلى البحيرة في كل مساء. كانت كلما زارتها تراقب رقص البجع، وتسمع النحيب إياه. خلال النهار تغفو البحيرة وهي تسدل أهدابها على البجع وكنوز الماء، ولورين تدأب على الحضور والتقرب من البجعات، فتنثر لهن فتات الخبز وحينما أنسن لها أهدت ملكة البجع عقدا من اللؤلؤ الأبيض ألبسته عنقها الطويل. تأملت ملكة البجع لورين مليا، وخيل إليها أنها رأت هذا الوجه من قبل، وسرعان ما تعرفت إلى لورين التي أنقذتها قبل تسعة أعوام، أصدرت صوتا رخيما عاليا، فاجتمعت على إثره حولها البجعات ثم حملن لورين وطفن بها أرجاء البحيرة، تعبيرا لها عن الشكر والامتنان.
    أحبت الفتاة البجع وأحببنها، وشعرت بسعادة لا نظير لها برفقتهن، لكأن روحها وجدت ضالتها، أو من يشبهها ومن بحثت عنه زمنا طويلا.. هكذا صنعت البجعة الملكة للورين فقاعة سحرية، تجوب بها سطح البحيرة للنزهة، أو تغوص في أعماقها كلما شاءت؛ثم تطفو ولا تغرق.. ومع مرور الزمن وليالي الصيف الطويلة، علمتها البجعة الملكة كيف ترقص وهي على متن فقاعتها، أو تغوص إلى قاع البحيرة، حيث اكتشفت أسرار البحيرة وكنوزها النفيسة. ورأت في الأعماق قصرا من الكريستال الخالص الشفاف حيثما تقطن البجعات، وفي إحدى غرفه أبصرت تاجا ملكيا أكبر من رؤوس البجع، وهو مرصع بالجواهر والدرر، وفستانا ملكيا وخاتما من الزمرد جميعها محفوظة بعناية. في البداية لم تفهم لورين سر وجود الأمتعة الملكية النسائية، في قاع البحيرة داخل قصر البجع. ولما سألتهن تحاشين الرد وأشرن عليها بمغادرة القصر فورا.
    غلبها الفضول لاكتشاف أسرار البحيرة وحل ألغازها العجيبة، ولكي تنجلي المسألة أمام عينيها..؟ قررت زيارة قصر الملك واكتشاف انتقال المقتنيات منه إلى البحيرة، فهل قُتلت الملكة غرقا في قاع البحيرة؟ سألت لورين نفسها ثم ارتدت ثوبا من الحرير الأبيض كريش البجع، وتوجهت به إلى القصر فدخلته كراقصة ستؤدي عرضا أمام الملك، لتدخل البهجة إلى قلبه  وتدخل إلى قصره المغلق منذ سنوات طويلة.
    هكذا سمح لها بالدخول،والقصر كان يبدو كئيبا ومظلما وحديقته يابسة، وعلى جدرانه الداخلية العديد من المرايا الزجاجية. وقفت أمام عرش الملك وراحت تغني وترقص بمهارة تشبه مرونة حركات البجع، كان جسدها النحيل يتمايل بخفةودلال كعود ريان  يتعاطف مع حركة النسيم. انبهر الجميع برقصها ممن كانوا مع الملك. لكن الملك غضب وثار وأمر أن تتوقف الراقصة على الفور. وغادر القاعة دون أن يلتفت إلى الوراء.
    اصطحبت إحدى طاهيات القصر الفتاة، وأمرتها بلطف ورقة أن تنصرف بسلام، وقد أشفقت على حال الفتاة وحزنها، وخافت من ثورة الملك،وبعد أن حكت لها ما رأته في بحيرة البجع،  أخبرتها الطاهية العجوز ماحدث قبل سنوات، قالت الطاهية: إن الأرواح المحبوبة تنجذب مع بعضها البعض، والبحيرة رأت في لورين ما لم تره العيون الأخرى.
     رأت قلبا أبيضا يحب الخير ونفسا مفعمة بالود، ورأت فيها روحا لم تتغير فطرتها. ثم قالت: كل من في البلدة يعرف قصة البحيرة وما حدث...؟ففي إحدى مغامرات الملك البحرية وقعت في شباكه حورية بحر ساحرة الجمال، افتتن بها وأحبها وقابلته بذات المحبة، وحتى تتمكن من الزواج من الملك كان عليها أن تتحول إلى بشر، أشفقن عليها صديقاتها من البجع وتوسلن إلى جنية البحر العظيمة حارسة البحار والمحيطات، التي تحرك الأمواج برمحها المسنون البراق، وتصنع الياقوت والمرجان والدر وكنوز البحر وتحول الحورية إلى كائن من البشر.
     وافقت جنية البحر وحولتها إلى انسان، على أن يبقى الحب ومعانيه في قلبها أو ستتحول إلى كائن مختلف. وهكذا تحولت الحورية إلى إنسان وتزوجت الملك. كانت طيبة القلبلطيفة المعشر، عشقت من عالم البشر الألوان والرقص والغناء، وزينت قصر الملك بالألوان واللوحات، واصطحبت صديقاتها من طيور البجع إلى بركة القصر. كانت الملكة تقضي برفقتهن وقتا طويلا، وفي ليالي الصيف كانت تقيم في القصر سهرات وحفلات تستمر طوال الليل، حيثتتعالى فيهاأصوات الغناء وترقص الملكة رقصة البجع يواكبنها صديقاتها من البجعات، والملك العاشق يعيش أجمل أيامهولياليه.
    وفي إحدى ليالي الاحتفالات، وقد تعالت نشوة الحضور بفعل السهر والطرب والشراب. واستبدت شهوات الليل بإحدى الحاضرات، امرأة سيئة السمعة والطباع قامت بدعوة الملك إلى الرقص، ثم أغوته بعينينها الفاتنتين وصوتها المثير وجسدها الساحر الغض، فاندفع الملك بسلطان الشهوة الفتاكة،وخان زوجته وارتكب معها الإثم والمعصية، بين أشجار حديقة القصر حيث خيمت عليهما العتمة.
     وحينما شعرت الملكة بغياب الملك وفتشت عنه..؟ وجدته عاري الصدر مشتت البال مسلوب الخاطر، يرتمي بين ذراعي المرأة اللعوب الخائنة. حزنت الملكة حينما رأتهما واكتشفت خيانة زوجها، وتألمت ألما شديدا، وتحولت أمام عينيه إلى طائر من طيور البجع وطارت بعيدا.. بعيدا جدا عن القصر.
    حلقت طويلا في الجو وحطت بين أشجار الغابة، حيث ذرفت كثيرا من دموع الحزن الغزيرة، وامتلأ قلبها بالغضب، فلم تتوقف عن البكاء حتى ملأت دموعها المكان وتكونت تلك البحيرة.والبجعةيستبد الغضب  في قلبها الذيلم تخلقه الطبيعة في صدرها. وهكذا جفت أرض حديقة الفصر فيبست ثم تعرت الأشجار من أوراقها وقد تبخرت مياه البحيرة ورحلت طيور البجع، فعم الظلام القصر وصار شديد الوحشة، فاختفت من جدرانه الألوان، واسودت اللوحات وتكسر الزجاج، ولم يبق إلاّ بعض المرايا ينظر الملك من خلالها إلى وجهه ويتألم مما صنع بنفسه ويتعذب بفعل الشهوة التي دمرت حياتهوقادته إلى الخيانة.
    وهكذا صار يطالع صورة قلبه كل ليلة في المرايا الباقية، وتحولت روحه إلى ورقة يابسة تتلاعب بها أمواج البحيرة تدفعها حيثما شاءت، وعندما يفيض إحساسه كان يتكلم كأنما يتمتم حروفا وأصواتا لا معنى لها، يهمسها في أذن الأيام التي سلبت منه زوجته وحبيبته، وكان في كل صيف يشرع أبواب قصره أملا بعودتها.
     تنهدت الطاهية وأكملت تقول: من عرف الحبوالخيانة على الأرض، يتعطش ويتوق إلى حب بلا خيانة، يقوم على إجلال القلب وتقديس الوفاء في الهوى. فالحب ياصغيرتي، والقلب المفعم بالحب في ليالي الصيف، هو كل ماتريده وتبغيه البحيرة، كما قالت جنية البحر العالمة بأسرار المياه، وتفقه لغتها ولغة مخلوقاتها، والملك في كل صيف يزور البحيرة ويتوسل إليها أن تعيد حبيبته.. لكن البحيرة لا ترى ولا تسمع.
    وما أن انتهت الطاهية من الكلام، حتى أسرعت الفتاة بالعودة إلى صالة القصر، حيث كسرت كل المرايا والزجاج، وأضاءت الشموع والأنوار، ثم اتجهت إلى غرفة الملكوفتحت النوافذ وعم النور أرجاء الغرفة وغنت بصوت عال ورقصت رقصة البجع، حاول الملك الثائر إيقافها ولم تتوقف وطلبت منه مرافقتها ووعدته بعودة زوجته المحبوبة، ثم توجها صوب البحيرة ووقفا أمامها بخشوع، ابتسمت لورين وتوردت وجنتاها بحمرة الحب، ولمعت عيناها كحبتي لؤلؤ وأحلى، فتحت ذراعيها وألقت بنفسها فيها أملا وحبا في تخليص صديقتها الملكة من ألم الغضب وأغلاله.
     ضمتها البحيرة حتى توارت في داخلها واختفت تحت سطح الماء. تلألأت البحيرة وتلألأ القمر والنجوم،و بدت كالحلى على سطح البحيرة، ونبتت في الجوار شجرة مرصعة بقلوب تتدلى من الأغصان كأنها فاكهة أو زهر بلون الورد الأحمر. هب النسيم ونما نرجس وريحان وتصاعدت رائحة عطور وعروس تستحم في ظل أوراق الشجر. وعادت البجعة سيدة من جديد تلقي نفسها بين ذراعي الملك. غطت آلهات الحب السماء، وطارت الفتاة بأجنحة نورانية متوجة باكليل غار وحلقت تنضم إليهن ثم غابت في السماء.


    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: بحيرة البجع : إيناس ثابت Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top