src=' أحلَّ سفكَ دمي في الأشهرِ الحُرمِ! فاطمة ناعوت - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الخميس، 4 مايو 2017

    أحلَّ سفكَ دمي في الأشهرِ الحُرمِ! فاطمة ناعوت

    عبارتان قرأتهما على فيس بوك، فشعرت بوخز الشوك ينحرُ في قلبي بغير رحمة. واحدة اِستُلهِمَت من حديث شريف، والأخرى من إحدى قصائد أمير الشعراء أحمد
    شوقي. كانت كلُّ عبارة من العبارتين بمثابة مرآة أمسكها كاتبُها، أمام وجهي ووجوه المسلمين، حتى نرى على صفحتها قبحَنا ودمامة سلوكنا، فنموتُ كمدًا.
    العبارتان كتبهما أقباطٌ مسيحيون على صفحاتهم في فيس بوك. واحدة تقول: “لم يستوصوا بنا خيرًا يا رسولَ الله.” وهي بطبيعة الحال ردًّا على حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: “استوصوا بأهلِ مصرَ خيرًا فإنّ لهم نسبًا وصهرًا"، وهو الحديث الذي ورد على عدّة رواياتٍ قد تختلف في المفردات، لكنها تتفق في المعنى. وأما النَّسَبُ المقصود فهو السيدة هاجَر، زوجة إبراهيم الخليل عليه السلام، وأما الصِّهر فالمقصود به السيدة ماريا القبطية، زوجة النبي المصرية، ووالدة ابنه إبراهيم.
    وأما العبارة الموجعة الثانية التي كتبها أقباطٌ مسيحيون على صفحاتهم فكانت شِطرًا من قصيدة "نهج البُردة" التي كتبها عظيمُ الشِّعر أحمد شوقي في مدح رسول الله عليه الصلاة والسلام. كتب أحد المسيحيين على صفحته شِطرَ البيت القائل: “أحلَّ سفكَ دمي في الأشهرِ الحُرُم.” وهي عَجُز بيتٍ شعري يقول صدرُه: “ريمٌ على القاع بين البانِ والعلم.” وواضح أن تلك الوخزة الجارحة، المقصود بها هو أن تفجير الكنيستين في طنطا والأسكندرية كانا في شهر رجب، وهو أحد الشهور الحُرُم، التي نهى القرآنُ الكريم عن القتال فيها. لكن التكفيريَّ الذي زرع القنبلة في صحن الكنيسة، ورفيقه الذي ائتزر بالحزام الناسف، ليقتلا معًا كلَّ تلك الأرواح البريئة من مسيحيين مسالمين كانوا في دور عبادتهم يصلّون لربهم، كلا الإرهابيين لم يطيعا القرآنَ وأوامر الرسول، ولم ينتهوا عمّا نهى عنه. فقتلوا نفوسًا بريئة لم تقتل ولم تُفسد في الأرض، عاصين أمر الله تعالى: “مَن قتلَ نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض، فكأنما قتل الناسَ جميعًا"، ومتى؟ في أحد الشهور المحرم القتال فيها، كما شرّع الرسول، ومن قبله كانت تلك عادة العرب في جزيرة العرب، ومن قبلهما كان ذلك نهج أبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام.
    جاءت العبارتان الصادمتان: “لم يستوصوا بنا خيرًا يا رسول الله"، "أحلّ سفكَ دمي في الأشهر الحرم"، لتصفعا وجهي صفعةً دامية، أنا التي اعتدتُ أن أقرأ هذا الحديث الشريف بفرح، لأنه يؤكد لي أن رفضي لظلم أشقائي المسيحيين في بلادهم هو انتصارٌ لديني وتنفيذ لأحد أوامر الرسول. وكذلك اعتدتُ أن تستقبل عيناي قصائدَ أحمد شوقي بشلال من المتعة والبهجة، فأتيه خُيلاء أن هذا الشاعر الاستثنائي هو ابن بلادي الشريفة مصر. فماذا جرى لأقرأ حديثًا شريفًا أحبه، وشطرًا من قصيدة أحبها، بكل هذا الوجع والوجل والرعب والشعور بالخزي ووخز القلب؟ ما معنى وخز الشوك في قلبي، ومرارة الغصّة في حلقي؟! الإجابة هي أن العبارتين الموجعتين كانتا رسالة قاتلة تشهد بعوارنا كمسلمين.

    في خيالي: أكادُ أسمعُ أحدَهم، وقد أشهر إصبعَه في وجهي، ووجه كل مسلم في مصر، قائلا: “أنتم دمويون غِلاظٌ. تقتلوننا دون جريرة بينما لم تجدوا مّنا إلا الحب والرأفة. لم تتعلموا الرحمةَ من سورة الرحمن، ولا تعلمتم المحبةَ منّا بعد طول عشرتكم معنا. أحببناكم كما أحببنا بعضُنا البعضَ، لأن لنا جدًّا واحدًا وجدّة واحدة وأرضًا واحدة لا نعرف غيرَها هي أرض طِيبة مصر. سامحناكم كثيرًا على ما ترتكبون في حقّنا من سخافات، وتقتيل وتفجير وإقصاء عن المناصب العليا في بلادنا، فاشتريناكم ولم نعبأ بعَرَض الدنيا. غضضنا الطرفَ عن ميزان المواطنة المائل غير العادل بيننا وبينكم في أرضنا التي عرفناها قبلكم بستة قرون. وأبدًا... أبدًا لم نردّ إساءاتكم بإساءة، ولا بادلنا طائفيتكم بمثلها. بل باركنا من يلعنوننا منكم، وصلّينا من أجل من يبغضوننا منكم، ودعونا اللهَ من أجل الخُطاة منكم. لأننا لا نعرف سوى الحب، كما علّمتنا أمهاتُنا الراهباتُ في كنائسنا، وكما علّمنا سيدُنا المسيحُ رسولُ السلام الذي جال بالخير ولم يبغض أحدًا ودعا الَله أن يغفر لمن آذوه، لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون. علّمناكم القيم الرفيعة في مدارسنا وأنتم صغار، ولم نفرّق بينكم وبين أطفالنا لكي تشبّوا أسوياء الروح، وما فعلتم مثلنا في مدارسكم. طببّت أوجاعَكم راهباتُنا وأنتم مرضى في مشافينا، فرأيتم بعيونكم كيف يكون البشرُ ملائكةً فوق الأرض. سامحونا إن قلنا لكم اليوم: أنتم كاذبون، ومنافقون! تدّعون اعتناقكم للإسلام، بينما لم نسلم من ألسنكم ولا من أياديكم. تزعمون أنكم مسلمون، ثم تقتلون نفسًا بغير نفس ولا فسادٍ في الأرض، فكأنما تقتلون الناسَ جميعًا. تزعمون طاعة رسولكم، بينما خالفتم وصيتَه لكم فينا بالخير. تزعمون أنكم حافظون قرآنكم، بينما تخالفون آياته وتقتلون المُسالمين العُزّل في نهارات الأشهر التي حرّم اللهُ فيها إراقةَ الدم. أيها المسلمون الأعزاء، أشقاءنا بالسلف، شركاءنا في الوطن: أنتم لا تتبعون أوامرَ إسلامكم، ولا تطيعون آياتِ قرآنكم، وتُحلّون ما حرّم اللهُ، ولا تهابون أن تفعلوا ما حرّم!”
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: أحلَّ سفكَ دمي في الأشهرِ الحُرمِ! فاطمة ناعوت Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top