src=' «ثورة الفكر» أم «فكر الثورة»؟ د. محمد عبد الستار البدري - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    السبت، 27 مايو، 2017

    «ثورة الفكر» أم «فكر الثورة»؟ د. محمد عبد الستار البدري

    «فكر الثورة» و«ثورة الفكر» هما مفهومان كثيراً ما نتعرض لهما عند تناولنا لمسيرة المجتمعات عبر التاريخ، فالمفهوم الأول مرتبط بالأساس بتغيير المنظومة المؤسسية
    الحاكمة في دولة ما، بينما غالباً ما يكون المفهوم الثاني مرتبطاً بتغيير بعض ثوابت المنظومة الثقافية والفكرية الحاكمة للمجتمع، إما من خلال التجديد المفاهيمي، أو إدخال مفاهيم جديدة على المجتمع لتناسب ظروفه، ومع الأسف فإننا كثيراً ما نخلط بين المفهومين وأثرهما داخل المجتمعات، بل في بعض المناسبات نولي مفهوم «فكر الثورة» الأهمية الأكبر، ونعظمه على حساب مفهوم «ثورة الفكر»، وذلك على أساس أن الثورة تغير من أدوات الحكم، بما يدفع المجتمع ليسلك درباً مختلفاً، معتقدين أنه الأثر الأقوى والأبقى في المجتمعات، ولكن العكس قد يكون صحيحاً في مناسبات كثيرة، بل الأقرب في المدى البعيد إلى الحقيقة.
    ومع ما نمر به من موجات الربيع العربي، فإن البعض زادت قناعته بأن الثورات السياسية في المجتمعات والدول عبر التاريخ قد أتت بالمتغيرات السياسية المرجوة، سواء كانت إيجابية أو سلبية، خصوصاً إذا كان فكر الثورة مرتبطاً بمنظومة فكرية قادرة على مسح الطريق الذي ثارت عليه هذه المجتمعات عبر قرون من الزمان، ولكن الثابت تاريخياً - وعلى عكس ما يشاع - أن نماذج هذه الثورات في حقيقة الأمر قليلة، ففي التاريخ الحديث على سبيل المثال تبرز الثورات الفرنسية في 1789، والبلشفية 1917، والصينية 1949. وهذه الثورات كانت ثورات آيديولوجية في الأساس، كان الهدف منها ليس فقط تغيير الحكم وأدواته، واستبداله بأفراد ومؤسسات مختلفة، ولكن الهدف منها كان تغيير خريطة المجتمع ومعتقداته الفكرية والسياسية، بما جعلها تسعى لتغيير مفهوم الشرعية من الأساس، ومعه طريقة حياة هذه المجتمعات، بينما هناك نماذج من الثورات، التي تمثل الأغلبية في تقديري، كانت آثارها محدودة زمنياً ومرتبطة بتغيير أسماء الحكام دون وضع أسس ثابتة مُفعلة لمفهوم الشرعية، فهي غيرت الأنظمة السياسية ولكنها لم تغير العقيدة السياسية والثقافية والفكرية للمجتمع ذاته. ومن هنا، فشتان الفرق بين المفهومين.
    وفي هذا الإطار، فإننا أمام قضية أكبر بكثير من تغيير أدوات الحكم ومؤسسات الدولة واستبدال القائمين عليها في لعبة كراس سياسية طالما سمعنا بها، بل وسئمنا نتائجها، فالأجدر في التقدير هو التركيز على مفهوم «ثورة الفكر» الذي يجب أن يسبق مفهوم الثورة بشكل عام، بل إن المجتمعات قد تستعيض به عن الثورة التي غالباً ما تكون تكلفتها السياسية والاقتصادية والإنسانية كبيرة مقارنة بالتطور الفكري الذي كثيراً ما يصحبه تغير وتطور سلوكي للمواطنين، وهنا يكون المقصود مرتبطاً بتغيير بعض الأنماط الهامة السائدة في طريقة تناول المجتمع لبعض قضاياه، خصوصاً الثقافية منها، بل والأهم أنها قد تتطرق لمنظومة الشرعية ككل داخله.
    ويحضرني هنا نموذجين هامين للغاية، الأول للراهب «مارتن لوثر» في 1517، والثاني للشيخ «على عبد الرازق» في كتابه الشهير «الإسلام وأصول الحكم» 1924، وهما النموذجان اللذان سنفرد لهما مقالين مستقلين نظراً لأهمية الأول في تغيير مسيرة الغرب، والثاني في تغيير مفاهيم شرعية الحكم في العالمين العربي والإسلامي. فالأول غير مفهوم الشرعية السياسية، وممارسة العقيدة في القارة الأوروبية، وفتح المجال أمام ثورة ثقافية وفكرية وعقائدية كانت كفيلة بتغيير مسيرة القارة الأوروبية بالكامل، وإحداث ثورة اجتماعية مفاهيمية كما سنرى. أما نموذج الشيخ «على عبد الرازق»، فقد رسم بفكره واقعاً رفضت أغلبية الدول الإسلامية قبوله، وأقصد هنا تحديداً مفهوم وجوب الخلافة كأداة للحكم، بما أسس فكرياً لقبول المجتمعات الإسلامية فكرة اختفاء الخلافة واقعياً من الخريطة السياسية، وتقبل هياكل سياسية أخرى لحكم الأقطار العربية.
    إن الهدف الحقيقي من وراء إعلاء مفهوم «ثورة الفكر» هنا هو العمل على التجديد الفكري بصفة عامة، سواء كان من خلال مفهوم «الثورة»، أو ما يطلق عليه في علم الاجتماع «علاج الصدمات Shock Therapy
    »، أي الدفع بعناصر فكرية جديدة غير مألوفة ومتعارضة مع واقع محدد، بما يدفع المثقفين ومن خلفهم المجتمع، بل ومؤسسات الدولة أيضاً، إلى مراجعة المفاهيم الفكرية للواقع على خلفية المتغيرات حتى لا يكون المجتمع في حالة ازدواجية وصراع بين مفاهيمه القابلة للتغير من ناحية، والتطور المنشود من ناحية أخرى، بما يحسم قضية الحفاظ على الهوية والتأقلم مع الحاضر، الذي كثيراً ما لا يجد الفرد مرجعية للقياس عليها في منظومته الفكرية والثقافية، بل والسياسية أيضاً، فالمجتمعات كثيراً ما تحتاج لثورة فكرية للخروج من البحيرة الفكرية الراكدة دون تغيير حدودها، والثورة الفكرية هنا لا يُقصد بها الانفصال عن ماضي الأمة وثوابتها العقائدية والثقافية والتاريخية، بل عملية تجديد أو إحلال للمفاهيم القابلة للتغيير، ولعل نموذج الشيخ على عبد الرازق في المقالة التالية سيلقي الضوء على المقصود الحقيقي بثورة الفكر.
    الشرق الأوسط

    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: «ثورة الفكر» أم «فكر الثورة»؟ د. محمد عبد الستار البدري Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top