src=' المغرب مريض سياسياً .. « السياسي العظيم يترك للآخرين مسؤولية الاعتراف به» عزيز الحدادي - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الثلاثاء، 23 مايو، 2017

    المغرب مريض سياسياً .. « السياسي العظيم يترك للآخرين مسؤولية الاعتراف به» عزيز الحدادي

    لا أستطيع غير الاندهاش أمام هذه السياسة التي تتشبث بالسلطة وتمارس الهيمنة والإخضاع ، على الرغم من فشلها في تدبير المرحلة الراهنة، فهل ثمة ما يستحق
    العناية بالنسبة للسياسة ، باعتبارها علماً للبراءة ، أكثر من سعادة الشعب ؟ ، وهل بإمكان هذا الشعب أن يصبح شعباً بدون سياسة حكيمة ؟ .وما العمل مع سياسة تخدير اللإدراك بالخرافة والأساطير ؟ ، وكيف يمكن لهذا البلد أن يتماثل للشفاء بدون سياسة مدنية عقلانية ؟ على الشعب أن يثبت وجوده من خلال السياسة ، والعبادة ، فالذين يستغلون العبادة من أجل تحطيمه ، لا يريدون الخير لهذا البلد ، بل يسعون إلى الهيمنة من قبل الأقلية على عامة الشعب ، والشاهد على ذلك أن زعيمهم يعتز بنجاحه بالرغم من فشله ، لأنه يراهن على إصلاح أعطاب اقتصادية ، ومعجزات طبيعية ولكنه ينسى أن الإحتجات هي أكبر دليل عن فشله. 
    بالأمس كنت في الرباط وشاهدت ما شاهدت ، والشباب بالأبيض يرددون شعار : نحيا أو نموت ولكن المغرب مغربنا ، ولا أحد يسمعهم ، لأن الحكومة في عطلة . ولذلك نتساءل ما لحكومة ؟ وما السياسة وهل بإمكان أيا كان أن يصبح سياسيا ؟
    سأغمض عيني الآن، وأصم أذني، وأعطل حواسي جميعها، بل وأمحو من فكري كل مأساة الفلاسفة حتى أتمكن من اقتحام ماهية السياسة التي أصبحت عائقا أمام تحقيق سعادة الإنسان الفاضل في هذا العصر، ترعبه، وتهمشه مع الأجراء من أجل أن تخفت فيه نار الأسئلة، وينهار حماسه إلى أن يتحول إلى مجرد حطام تتصرف فيه السياسة المقدسة، ولعل أرسطو كان رائعا عندما قال: "فالناس لم يأتلفوا لمجرد العيش.. وإلا لأضحت الدولة دولة أرقاء"(). فبأي معيار تصبح الفضيلة هي ماهية السياسة؟، ألا يؤدي هذا التحديد لماهية السياسة إلى إتلاف لهويتها المتقلبة؟، وبعبارة أخرى كيف يمكن لعلم متقلب الميزاج كالإنسان أن يستقر طويلا في الفضيلة ويتخلى عن مقاولة المصلحة؟. وهل بإمكان غير الفاضل أن يمارس الفضيلة؟.
    يتوجب على الدولة التي تدعى دولة عن جدارة وليست دولة بالاسم فقط، أن تعني بالفضيلة(). ذلك أن الدولة هي العلم العملي للسياسة، إذ من خلالها يتم اختبار مدى قدرة السياسة على ممارسة الفضيلة في الواقع من أجل إسعاد المواطنين، لأن غاية السياسة هي نفسها غاية السعادة، لأنهما ولدا في نفس اليوم ومن ذات الأصل، ومن الظاهر أن السياسة عندما تنقلب على السعادة تتحول إلى سياسة طغيانية استبدادية، لا تقوى على جعل المواطنين من أهل الصلاح والعدل.
    هكذا تكون الدولة التي تتأسس على السياسة المدنية، شراكة حياة فاضلة يقصد منها الاكتفاء الذاتي والمعيشة الكاملة للبيوت والأسر: "فغاية الدولة إذن هي الحياة الفاضلة"(1)، ولذلك فإن الدولة حين تنزلق عن هذه الماهية تسقط في هوة الآلة القمعية للمواطنين فتقوم برعاية الظلم والرذيلة بواسطة أصحاب الرداءة، الذين يشبهون مرض السل إذ تنتقل عدوته بسرعة من جماعة إلى جماعة إلى أن يصاب المجتمع كله بهذا الوباء. هاهنا يتم تهيئ الظروف الملائمة للسياسة المقدسة، ذلك أن الدولة الطغيانية هي المحرك الأول لهذه السياسة، لأنه من المستحيل أن تظهر في الدولة المدنية الديمقراطية. لكن ما الذي يمكن للفلسفة أن تقدمه من خدمة للسياسة حتى تتمكن من الإقامة المفكرة في الفضيلة؟، هل يمكن اعتبار الفلسفة هي العلم النظري لعلم السياسة؟، أم أنها مجرد مجال يتم فيه إبداع المفاهيم وصياغة الأسئلة؟.
    لم نتمكن إلى حد الآن من إيجاد صلة قرابة بين الفلسفة والسياسة، على الرغم من أنهما مولعان بعضهما البعض، إلا أ انقلاب السياسة عن الفضيلة قد أحدث شقة بينهما، فأضحت السياسة تضطهد الفلسفة بواسطة الدولة القمعية، وكان الفلاسفة أول ضحية هذا القمع، فقتل من قتل وشرد من شرد، وهمش أفضل الناس، واحتفظوا بمحبتهم للحكمة في صمت: "وأما المضطرون والمقهورون من أهلالمدينة الفاضلة، على أفعال الجاهلية، فإن المقهور على فعل شيء، لما كان يتأذى بما يفعله من ذلك صارت مواظبته على ما قسر عليه لا تكسبه هيئة نفسانية مضادة للهيئات الفاضلة فتكدر عليه تلك الحال حتى تصير منزلته منزلة أهل المدن الفاسقة، فلذلك لا تضره الأفعال التي أكره عليها، وإنما ينال الفاضل ذلك متى كان المتسلط عليه أحد أهل المدن المضادة للمدينة الفاضلة، واضطر إلى أن يسكن في مساكن المهادين"(2). ألم يكن الفارابي نفسه هو هذا المقهور المضطر إلى السكن في المدينة الجاهلة الفاسقة، ومع ذلك كان يكتب المدينة الفاضلة؟، ألم تكن روح الفيلسوف منفصلة عن جسده، ترحل في تلك المساءات الشتوية لتقتات من رحيق مدينة السعداء؟.
    ومن الظاهر أن الوجه الحقيقي للسياسة المدنية، أي السياسة التي تستمد ماهيتها من روح المدينة، هو البحث عن كل الوسائل التي تؤدي إلى إسعاد المواطنين، وإبعادهم ما أمكن عن الشقاء، ولذلك فإنها توفر لهم أسباب السعادة؛ من تربية وصحة وكرامة وعدل وحرية، ثم تقوم بتوشيح الأخيار منهم بأوسمة الشرف وتشجيعهم على تحقيق النجاح في أعمالهم وإبداعهم، كما أنها في المقابل تقوم بمعاقبة الأشرار وتأديبهم بالعقاب والحبس لأنهم لم يحسنوا التصرف في الحرية التي منحت إليهم، ولذلك يجب حرمانهم منها لأن بنية السياسة المدنية تتشكل من المراقبة والعقاب، السعادة والشقاء، النجاح والفشل، ولعل هذا التضاد هو ما يجعلها تسير في طريق البرهان والعقلانية، الأمر الذي يدفعها إلى التقلب كالإنسان فهي توجهه بالخير حين يستحق، وبالشر حين يستحق. ولأي سبب يا ترى؟ ومتى تكون السياسة في خدمة الإنسان؟ ومتى تصبح ضده؟.
    يتعين علينا أن نستسلم لتقلبات السياسة، والسير معها في قدرها المضطرب، لكي نتمكن من لمس ماهيتها بنعومة شرسة، وربما تكون الأسئلة الفلسفية هي الأداة التي ستمكننا من الحفر الأركيولوجي في هذه الماهية، والشاهد على ذلك أن سؤال؛ ما السياسة هو الينبوع الذي تتفجر منه كل الأسئلة، بيد أن صعوبة تحديد ماهيتها، قد جعلنا نلتجئ إلى قراءتها من خلال تجلياتها في الدولة والمدينة، ذلك أن السياسة كعلم نظري، لا أهمية له، لأنها تشبه صناعة الطب التي تمارس بالتجربة من أجل مداواة الأمراض وحفظ الصحة، وتدرس بالبرهان كمقدمات كلية ويقينية، فهل كان بإمكان السياسة أن تستقطب اهتمام الناس وتمارس سلطتها وحضورها، لو لم تكن هي الأداة التي تظهر من خلالها الدولة في الواقع؟، وبعبارة أخرى هل هناك سياسة بدون دولة، أو دولة بدون سياسة؟.
    لقد كان أرسطو واضحا في برهانه على تقلب السياسات من حال إلى حال، عدما قال: "وتتبدل السياسات أيضا بسبب التغاضي وعدم الاكتراث، وتتقلب السياسات من حال إلى حال بسبب التهاون في الصغائر. وعيت بهذا التهاون في الصغائر كون الشرائع المرعبة تنحرف عن أصلها انحرافا بليغا"(3). ولذلك يتساءل؛ فها يجب أن تكون السلطة دائمة أو طويلة الأمد؟ أو يجب أن لا تكون دائمة ولا طويلة الأمد، بل أن يليها مرارا نفس الأشخاص؟ أو يجب أن لا يلي الحكم شخص واحد مرتين بل مرة واحدة فقط؟. ومن أي أشخاص يجب أن تؤلف السلطة؟، ومن هن الذين يؤلفونها؟، وكيف يؤلفونها؟، فيشأن هذه الأمور كلها يجب أن يتمكن السياسي من أن يبين وجوه تحقيقها، ثم تطبيقها على مختلف الأحكام السياسية، وأن يظهر أي سلطات تفيد كل صنف من أصاف الأحكام السياسية.
    يعترف المعلم الأول بعدم امتلاكه لإجابة عميقة عن هذه الأسئلة، لكون السياسة مجرد طائر مهاجر أرهقته شباك أصحاب الدسائس، ولذلك فإنها تختلف من دولة إلى دولة: "لأن هذه الأسئلة قد يتساءلها المرء بشأن كل الدول حتى الدول الصغرى" وبالنظر إلى السياسات، هل يختلف نوع السلطات بتباين الأحكام السياسية، أو لا يختلف؟، فهل السلطات العليا مثلا هي واحدة متماثلة يا ترى في الحكم الشعبي وحكم الأقلية وحكم الأعيان والحكم الملكي؟.
    من أجل الإجابة عن هذه الأسئلة القلقة يتمرد أرسطو على سقراط الذي كان لا يميز بين السياسة والفلسفة انطلاقا من وحدة الغاية فكلاهما يتجهان نحو سعادة الإنسان، وبما أن هذه الغاية قد تتحقق في الفلسفة، فإنه من المستحيل تعميمها على السياسة، والشاهد على ذلك أن أرسطو يصنف الأحكام السياسية من خلال طبقات الأحكام: "فهي تسند في أحكام الأعيان إلى أناس مثقفين، وفي أحكام الأقليات إلى أناس أغنياء، وفي الأحكام الشعبية إلى أناس أحرار"(4). لكن إلى أي حكم من هذه الأحكام يمكن أن نطمئن بغية تحديد ماهية السياسة؟، هل أن ماهية السياسة تتأثر بماهية هذه الأحكام إلى أن نفقد ماهيتها الحقيقية كالحرباء؟، وكيف يمكن أن نضع ثقتنا في هوية ممزقة يتم استغلالها من أجل السيطرة على الإنسان؟.
    كان أملنا أن نهرب من ظل سقراط، ولذلك التجأنا إلى أرسطو، بيد أنه استمر في ملاقتنا ينتظر اقتحامنا بأسئلته العنيفة، والتي ستعيدنا إلى التيه من جديد، لكن هذه المرة بدون أمل، لأن الانزياح عن هذا التيه اللذيذ أصبح مستحيلا، هكذا امتزج بقدرنا، وأضحى يتصرف في كينونتنا، وبخاصة حين يخاطبنا قائلا: "وإنما كان هدفنا أن نكفل أكبر قدر ممكن من السعادة للدولة بأسرها، وكان رأينا أن العدالة لا تتمثل على خير وجه إلا في دولة كهذه، مثلما يتمثل الظلم في الدول التي يقوم بناؤها على أساس فاسد. وهكذا أتاح لنا هذا الكشف أ نجيب عن السؤال الذي كان يشغلنا منذ البداية. فنحن نود، في الوقت الحالي أن نقيم دولة سعيدة، ولا نود أن نستثني من السعادة فيها أحدا. إذ أننا لا نريد سعادة البعض، بل سعادة الجميع"(5). فما الذي يجعل الدولة تمسي سعيدة؟، هل بالآراء الفلسفية، أم بالتجربة السياسية؟ وأي سياسة يختارها سقراط لدولته؟، هل هي سياسة الأعيان، أم الأقليات، أم سياسة الأحكام الشعبية؟.
    ينطلق المشروع السقراطي من التربية كأساس للسياسة، بيد أنه يحصر هذه التربية في طبقة حراس الدولة المدنية، هؤلاء الذين منحهم الفيلسوف سلطة مطلقة، وحرم منها الطبقات الأخرى، حيث يتهكم من محاوره قائلا: "إذ أننا لو أخذنا بنصيحتك لما عاد الزارع زراعا ولا صانع الفخار صانعا، ولما ظل الأمر على حاله، أي لما عادت هناك دولة، بل أن الأضرار التي تجلبها هذه الفوضى أقل لدى الصناع منها لدى الحراس: إذ أنه لو ساءت حال صانعي الأحذية ولم يعودوا كذلك إلا بالاسم، لما كانت العاقبة وخيمة على الدولة، أما إذا لم يعد حراس القوانين والدولة حماة لها إلا بالاسم، لجروا على الدولة كلها خرابا لا يعوض، إذ أن نظام الدولة وسعادتها إنما يتوقف عليهم وحدهم. إننا نسعى إلى أن نكون حراسا حقيقيا، لا يجلبون للدولة أي شر"(6). لكن ألا يكون سقراط مخطئا بتحديده لماهية السياسة انطلاقا من ماهية الحراس؟، ألا تصبح السياسة بذلك خاضعة للتقلبات النفسية لهذه الطبقة دون غيرها؟.
    الواقع أن محاورة سقراط أيدمانتوس قد اعترض قائلا: "بم نجيب يا سقراط إن اعترض عليك امرؤ قائلا أن حراسك لن يكونوا سعداء كل السعادة، وإنهم هم أنفسهم سيكونون سبب تعاستهم، إذ أنهم مع كونهم السادة الحقيقيين للدولة لا ينالون من المجتمع أي نفع من ذلك النوع الذي يتمتع به غيرهم من حكام الدول: كتملك الأراضي الشاسعة، وبناء القصور الجميلة الشامخة الحافلة بالأثاث المترف،..وتكريم ضيوفهم ببذخ..فضلا عن كل ما ينعم به أصحاب الثورات من المتع. أما إذا أخذنا بأوصافك هذه فسوف يكونون أشبه بجنود مرتزقة تستأجرهم الدولة، ولا عمل لهم سوى أن يكونوا حراسا يقظين فحسب"(7). أنا لا أريد حراسا لدولة فاضلة، يقدمون الهدايا للعاشقات، أو الإنفاق كما في وجوه متعتهم، هكذا يجب سقراط على معارضه، لأننا لم نستهدف في تأسيس دولتنا جلب السعادة الكاملة لفئة معينة من المواطنين، بل نريد السعادة للجميع، وبخاصة وأن هذه الدولة في دور التأسيس، ولذلك فإنها محتاجة إلى سياسة فاضلة منبثقة عن أناس أفاضل، والفضيلة تغرس في النفوس كما تغرس الثمار في الأرض، محتاجة إلى عناية كعناية الفلاح؛ "وعندما تزدهر الدولة بأسرها لتكون نظاما محكما، نترك لكل طبقة أن تتمتع بالسعادة على قدرها ما تؤهلها لذلك الطبيعة"(8).
    والحق أن سقراط يضعنا في موقف حرج لا يمكننا من الدفاع عنه، أو الوقوف ضده، بل سنلتزم الحياة، ونتركه يدافع عن نفسه قائلا: "إنه لمن السذاجة حقا أن يعتقد المرء أن اسم الدولة يمكن أن ينطبق على أية دولة أخرى غير تلك التي نحن بصدد تكوينها"(9). فما هي هذه الدولة التي يريد سقراط تأسيسها؟، هل هي دولة تتسع للجميع؟، أم أنها دولة للفلاسفة؟.
    أي دولة هذه؟، وأي سياسة تصلح لها؟ ومن ذا الذي بإمكانه أن يخرجنا من هذا الشقاء لنتمكن من تذوق السعادة ولو ليوم واحد؟، ألا يظن بالفلسفة أن لها لذات عجيبة؟ وهل بإمكاننا أن نهرب من قدر سقراط؟.
     
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: المغرب مريض سياسياً .. « السياسي العظيم يترك للآخرين مسؤولية الاعتراف به» عزيز الحدادي Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top