src=' التربية على المواطَنة : جان- ماري مولِّر ترجمة: محمد علي عبد الجليل - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الاثنين، 19 يونيو، 2017

    التربية على المواطَنة : جان- ماري مولِّر ترجمة: محمد علي عبد الجليل

    التعليم المدرسي موجَّه إلى أطفال لم يختاروا، للوهلة الأولى، المجيءَ [إلى المدْرسة]، وهم هنا، بمعنىً ما، “مُكرَهين ومجبَرين”. مُذْ ذاك، تكاد الحياة المدرسية أن يعيشها
    التلميذُ كـ “عنف” يكابده وكنظام يجب عليه الخضوع له. التلميذ موجود هنا لـ “يتعلم” “apprendre”، أيْ لـ “يأخذَ” “prendre”  معرفةً تُعطى له. وعلى الطفل، حتى يكون “تلميذًا جيدًا”، أن “يتعلَّم دروسَه” و”يؤديَ فروضَه”. تُفرَض على التلميذ “فروضٌ لتحصيل “نتائج” قلَّما تُفرَض على الراشدين. فلكي “ينجح” الطفلُ، ينبغي عليه أن “يكدح”، أيْ أن “يبذل جهودًا” و”يتكبد مشقة”. وهذا يعني أنه ينبغي عليه أن “يتألم”[1]. وهو يعلم أنه إذا لم يَحْصلْ على نتائجَ جيدةٍ فسوف يعاقَب. ليس الطفلُ، إذنْ، “مُجبَرًا” على التعلم والعمل فحسب، بل مُلزَم بأن ينجح أيضًا. ألا يريد الأساتذةُ أن “يُلقِّنوه” معارفَ نسمّيها “موادَّ”؟ وعليه، فإن التلقين inculquer  [الترسيخ في الذهن] يعني “الإقحام”، ويعني بدقة أكبر “الإدخال بالدك بعَقِب القدم” (من الفعل اللاتيني inculcare، المشتق من calx وcalcis عقِب القَدم). إن هذا التعليم، في جزء منه لا يُختزَل، يعيشه الطفلُ على  شكل إكراه.
    لقد أدان ميشيل دو مونتيني Michel de Montaigne بشدة مناهجَ التعليم المكثَّفة التي لا مناصَ من أن يكابدَها التلاميذ. فاستثار قائلاً: “لا يفتأون يصرخون في آذاننا دائبين كمن يسكب في قِمْع، وليست مهمتنا الملقاةُ علينا سوى تردادِ ما قيل لنا[2].” ويرى أن المربي لا يقوم بمهمته إذا كان هدفُه فقط تعليمَ الطفل دروسًا عليه أن يتلوَها عن ظهر قلب. فالمربي لا ينبغي عليه أن يمرِّن ذاكرةَ تلميذه بمقدار ما ينبغي عليه استدعاء فطنته: “المعرفة بالتلقين ليست معرفة: إنها حفظ ما استُودِع في ذاكرة الطفل. ما يعرفه التلميذ حرفيًا يردده دون أن يلتفت إلى كتابه[3].” ينبغي ألاَّ يكون طموحُ المربي تعليمَ الطفل فحسب، بل تربيته:
    ينبغي ألاَّ يطلبَ إلى الطفل أن ينظر إلى كلمات درسه فحسب، بل إلى معنى الكلمات وفحواها، وينبغي أن يُقدِّر الفائدةَ التي جناها ليس عن طريق الاستشهاد من ذاكرته بل من حياته[4].
    “التلميذ الضعيف”:
    إن “التلميذ الضعيف” الذي يعاني حالةَ الإخفاق المدرسي سيعيش ضغطَ المدرسة بطريقة سيئة، وسيغذي هذا الضغطُ في دخيلته شعورًا عميقًا بالظلم. فالتعامل مع الطفل على أنه “تلميذ ضعيف” يعني نعته بأنه “طفل سيء”. يشير برنار لومـﭙير Bernard Lempert إلى أن هذه الخلفية الأنثروبولوجية[5]  القوية تشير إلى من هو في مأزق، إلى من يعاني، وكأنه حامل للشر[6]. إن معاملة الطفل بهذه الطريقة يعني إطلاق حُكْم تقييمي عليه يحبسه في صورة سلبية عن نفسه تهينه وتضعه في قفص الاتهام. كذلك، فإن برنار لومـﭙير يدين الالتباس الحاصل بين الغلط erreur [خطأ السهو] وبين الخطأ faute  [غلط العمد]. لماذا نتكلم، في الواقع، عن “خطأ إملائي”، في حين أن الأمر لا يتعدى غلطًا فنيًا لا تترتب عليه أية نتيجة؟ فالطفل الذي لم يعرف كتابةَ كلمةٍ كما يريد الكبارُ أن تُكتَب ليس “خاطئًا” في شيء. فهو لم يفعل شيئًا سوى أنه خالفَ قاعدةً نحوية ولم ينتهك أيةَ قاعدة أخلاقية. يمكن تصويب الغلط، ولكنْ ينبغي عدمُ لوم التلميذ. فإذا كان هناك من مكان ينبغي فيه الاعتراف بـ “الحق في الغلط”، فلا بد أن يكون هذا المكان هو المدرسة. يشير آلان Alain  إلى أنه: “هنا، نخطئ ونعيد الكَرَّة؛ فالإضافاتُ الخاطئة لا تدمِّر أحدًا هنا[7].” إن التعليم يعني تصويبَ الأغلاط. “Errare humanum est” “الغلط إنساني”[8]. وهذا لا يعني أن الغلط إنساني فحسب، بل يعني أنه “مؤنسِن” أيضًا: إذْ بتصحيح أغلاطه يتأنسنُ الإنسان. إن فهم الغلط ينير الفطنة ويَبْنيها. فالمعاقبة على الغلط يعني تعَدٍّ على الحق وتنكُّر للعدالة. ولا سيما عندما تُعطى العلامة التأديبية السيئة علنًا على مرأى جميع التلاميذ الآخرين ومسمعهم. كذلك، فإن من حق الطفل ألاَّ يفهم. فعدمُ الفهم عند التلميذ ينبِّهُ إلى وجوب تزويده بشرح أفضل. يعلِّق آلان أيضًا بقوله: “من الأسهل طبعًا الاكتفاء بهذا الحكم الجزئي: “هذا الصبي ليس ذكيًا”. لكن ذلك غير مسموح. على العكس من ذلك، إن هذا هو الخطأ القاتل بحق الإنسان والظلمُ الأساسي[9].” إن المدرسةَ، التي من المفترض فيها أن تكون مكانَ التمرُّس الاجتماعي socialisation  بامتياز، تساهم هي نفسُها، من خلال الإخفاق المدرسي، في الإقصاء الاجتماعي. فالاصطفاء الذي يجري في المدرسة هو أحد أقوى عوامل التصدُّع الاجتماعي.
    إن التحديَ الذي يجد المدرِّسُ نفسَه أمامه هو إفهام الطفل أن عملاً كهذا “يستحق العناء” وتحريك “رغبة التعلم” بقصد أن يحوز على ما يُعطى له وأن يختبرَ، في المحصلة، “لذةَ الفهم” ويشعر بالفرحة العارمة بأن يصبح “فطِنًا”. فالطفل، في الواقع، يمكنه أن يعيَ جيدًا أن نقل الراشد للمعارف مرحلةٌ أساسية في بناء شخصيته. وهكذا، يكون في الإمكان التخفيف من حدة “العنف المؤسساتي” الذي تُنزِله المدرسةُ بالتلميذ.

    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: التربية على المواطَنة : جان- ماري مولِّر ترجمة: محمد علي عبد الجليل Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top