src=' صدور(هشاشة الفن المفرطة ) عن مؤسسة مقاربات للدكتورإدريس كثير - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الخميس، 22 يونيو، 2017

    صدور(هشاشة الفن المفرطة ) عن مؤسسة مقاربات للدكتورإدريس كثير

    في مؤلفه «هشاشة الفن» يضعنا إدريس كثير أمام اعتبارات لـ«موت الفن» لا تنفك تنحصر داخل التقانة التي هي روح الميتافيزيقا، ويذهب إلى أن يعتبر أن هذه الأخيرة
    غير قادرة على منح فن العلامة حياة جديدة أصيلة. قد تستفيد منها على مستوى الفوتوغرافيا والسينما والتلفزيون، لكنها ستبقى دائما تابعة لهذه التقانة ولروحها. (هشاشة الفن المفرطة)
    والعلامة هنا ما هي إلا إحالة إلى «حضارة العلامة» كمفهوم جمالي نجده حاضرا بقوة عند السيوسولوجي عبد الكبير الخطيبي. العلامة التي تأتي من بين المفاهيم التي اعتمدها الخطيبي إلى جانب المرئي واللامرئي والنهائي واللانهائي، وغيرها التي اعتمدها في قراءته للتجارب الفنية العربية والمغربية.. «العلامة التي تغدو صورة، وذلك بقدر الفنان العربي على ترويض ماضيه وابتكار مستقبله واستشراف آفاقه. هذا الابتكار سيضل مصحوبا باكتشاف الفن الغربي التجريدي..». في ظل هذا يورد كثير سؤالين جوهرين على لسان الخطيبي: إلى أين يسير العالم العربي؟ وما سيكون مآل فنونه في السرعة المعلوماتية للصورة والأصوات والعلم التقني الخاص بالتذكر؟ يجعل منهما مدخلا لمناقشة أطاريحه ونماذجه التي جاء حافلا بها الكتاب، متكئا لذلك على التفصيل في مفهوم «موت الفن».

    موت الفن وتجاوزه الميتافيزيقي:
    ففي ظل الفلسفة المعاصرة والحديثة والتطور التقاني في عصرنا الحالي (عصر النهايات)، تولدت مفاهيم جديدة ارتبطت بالموت كمحدد لها، فنتحدث اليوم عن «موت الإنسان» و»موت المؤلف» و»موت الصورة» و»موت التاريخ» و»موت الفلسفة» و»موت الفن».
    إن الحديث عن «موت الفن» يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن أنه، أي الفن، كان «حيا» فيما مضى، ما يجعلنا أمام إشكالية تتلخص في سؤالين جوهريين: ما الذي نعنيه بحياة وموت الفن؟ ما الذي يميز هذه القطيعة التي تظهر متناقصة بين فن ماض حي وفن حالي ميت؟
    في المقابل إن مصطلح «الموت» وهو رديف ولصيق الكائنات الفنية mortel فنتحدث عن موت حيوان أو إنسان أو نبات أو غيرهم.. أي بالمعنى انتهاء الوظيفة البيولوجية التي تجعلهم أحياء، فهل يمكن أن نتحدث عن وظيفة بيولوجية للفن؟ قد تكون أي إجابة عن هذا السؤال عبثية بالقدر الذي هو عليه.
    الفن هو نتاج ذكاء إنسان وتفاعله الجمالي مع الطبيعة ومحيطه، وأيضا مع أفكاره الخلاقة. وبالتالي هو شكل من أشكال الحياة المتعددة. والحديث عن حياة الفن يقودنا، بشكل حتمي، إلى الحديث عن ثنائية «القبل» (السبق) و»البعد» (اللاحق)، أي ماضي الفن وحاضره. ما يقودنا، بلا تردد، إلى كون الفن هو مجموعة من التحولات التي حددت تمثلات الفن على طول آلاف السنين (إن لم نقل الملايين). إن كان كانط ذهب إلى الاشتغال بتحديد على دلالة المفاهيم المؤسسة لحقل الفن في تحليليه للجماليات، محددا معنى الجميل والممتع والنافع، مبرزا أوجه التمايز بين هذه المفاهيم، فقد ذهب الفيلسوف الألماني الآخر هيغل إلى تحليل صيرورة أنماط الإنتاج الفني، غير مقتصر على المستوى التجريدي للتنظير لمفهوم الفن، كما الحال عند كانط… سيذهب هيغل في قراءته التاريخية الفلسفية لتاريخ الفن، إلى حد القول والإعلان «موت الفن» بقوله: «إن الفن، أو على الأقل، إن غايته المثلى هي بالنسبة لنا شيء من الماضي. ولذا فقد الفن حقيقته وحياته».
    «إن مفهوم موت الفن كمفهوم هيغلي يمنح مشروعيته من خلال تطورات المجتمع الصناعي المتقدم. وحين نتحدث عن النهاية فإننا نقصد بها تحقيق الروح المطلقة الهيغلية أو الميتافيزيقا المتحققة الآلية إلى نهايتها. فالإستطيقا كفلسفة للجمال الفني ستكون علما ميلونخوليا (اكتئابيا) فيه يخضع الفن للمفهوم ويكون موضوعا للعلم لأنه يحتضر تاريخيا».
    قد يكون هيغل هو أول من أعلن عن «موت الفن» إلا أنه «ورغم أن مسيرة الفن الطويلة عبر العصور المختلفة لم تخل من أطروحات وأفكار مشابهة، أشارت بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى أزمات الفن المختلفة، من حيث دوره وأهميته ورسالته، إلا أن العصر الحديث وبشكل خاص في النصف الثاني من القرن الماضي، شهد جدلا ونقاشًا واسعا حول مسألة موت الفن أو نهايته، حيث أشير بأصابع الاتهام إلى التحولات العلمية المتسارعة بصورة رئيسية. وقد رأى الكثير من الباحثين في ذلك التطور العلمي سلطة متعسفة بالفن، أفرغته من مضامينه الفكرية والشعورية لصالح الفن كعمليات ذهنية نقية خالصة، ما قوض من هدف الفن كإقناع، ووسع من فجوة التواصل بين المرسل والمتلقي، من خلال ما طرح أمام المشاهدين من أعمال فنية اتسمت بالسطحية والتكرار الممل، أعمال فنية هدم فيها المعنى، وتفتت الصورة بحجة مواكبة الحداثة العلمية وروح العصر. يرى المتشائمون في موت الفن أو نهايته من جانب آخر، أن العلم أفقد الفن صلته بمهارة الفنان اليدوية وجمالية الصنعة، فلم يعد الفن نتاجًا ليد الإنسان، بل لأدوات الإنسان العلمية».
    فالفن لم يعد له ارتباط بالأشكال الماضية لقد تعددت آلياته وآلاته، وبات مرتبطا بالتقانة وما يرتبط بها من جمود عاطفي، فصار هشا أو ما يصطلح عليه المفكر المغربي إدريس كثير بـ»هشاشة الفن المفرطة»، هذه الهشاشة التي يسهل تفتيتها لعدم تماسكها، فـ»الملاحظ أن الثقافة الحديثة تبدو غريبة عن الفن الحقيقي. ذلك أن الفن، حسب إدريس كثير، لم يعد له تلك المكانة والحظوة التي كانت له سابقا. تلك العظمة التي امتلكها أيام اليونان.
    أصبح فت المجتمع الصناعي خاضعا للتجريد والقاعدة التعميمية والقانون المقنن لأهواء الناس وميولاتهم. بات دونكيخوتي الفارس الرومانطيقي غريبا عن المجتمع الحديث، هو الذي كان يدافع عن الأرملة واليتيم، وهكذا اندحر الفن».
    لقد جاء إذن موت الفن موازيا للثورات العلمية التي شهدها العالم بشكل متسارع إلى جانب اتساع رقعة العقلانية في الأعمال الفنية. إذ تم اتهام الفن أنه انسحب من العاطفة الإنسانية نحو الجمود العاطفي ما جعله لم يعد يحمل «أي أثر للإنسان فيه». فموت الفن عبارة لا تعني تجاوز الميتافيزيقا ونهايتها، كما يخبرنا كثير، بقدر ما تعني استسلام الفن لها ولقبضتها المصيرية النهائية. «موت الفن» ليس مفهوما يمكن تجسيده في هذه الحالة أو تلك، إنما هو «حدث تكويني» لفضاء تاريخي أنطولوجي عارم، حيث لا يستمر الفن كظاهرة نوعية إنما يغدو جزءا ضمن نظرة استطيقية معممة للوجود».
    وإن كان «الفن أقل الصيغ المعرفية كمالا» كما هو الحال بالنسبة لهيغل فإن شيلر يرفع الفن إلى درجة أنه «يلغي الحقيقة وروح الوجود وتثبيته بشكل ملموس». إذ يذهب هيدغر إلى القول بأن الفن أحد «الأساليب التي تحدث فيها الحقيقة». فإن ماهية الفن هي التي تجعل الوجود يظهر والحقيقة تشع وتلمع. فالفن «انكشاف لحقيقة الوجود». فالفن عند هيدغر يَتَوَفّق فيما فشلت فيه الميتافيزيقا، بل إن نيتشه ليعتبر الفن بديلا عنها وتعويضا عن خيباتها. فيكون الفن صيرورة لا تنتهي عند الموت بالمعنى البيولوجي بل تتولد عنده كلحظة ميلاد جديدة.
    القدس العربي 
    ٭ كاتب مغربي
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: صدور(هشاشة الفن المفرطة ) عن مؤسسة مقاربات للدكتورإدريس كثير Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top