src=' تداعيات الريف… وماذا بعد الحراك؟ سعيد يقطين - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    السبت، 8 يوليو 2017

    تداعيات الريف… وماذا بعد الحراك؟ سعيد يقطين

    ما تزال تداعيات الحراك الشعبي في الريف تلقي بكلكلها على كاهل واقع تم إيصاله إلى التأزم والتشنج. فبعد الاعتقالات والمحاكمات، جاءت تنقيلات بعض المسؤولين في
    المنطقة، وتعيينات جديدة، وفتحت الملفات المتعثرة لمشاريع تنموية بـ«منارة المتوسط» والتي تقدر بعشرات المليارات. كما أن وسائل الإعلام العامة والخاصة باتت تكشف ملفات الفساد المختلفة لمسؤولين ورجال أعمال في الوطن برمته، واستأثرت «قصة» حد السوالم و17 مليار باهتمام وسائل الاتصال الجماهيرية، وبعد ذلك وجد السجال لنفسه مجالا بعد تسريب تعذيب المعتقلين، ورسالة الزفزافي من السجن… بالمقابل نجد المجتمع السياسي والمدني يتكلم في صمت، ويعبر بلا دلالة، والشعب متوجس من هذه التطورات المتلاحقة، ومما يمكن أن يجري على الساحة السياسية والاقتصادية (تعويم الدرهم).
    هناك نقاشات ومبادرات، لكنها لم ترق إلى مستوى الاستجابة الملائمة، أو غير قادرة على ملامسة جوهر القضايا التي ينبغي اتخاذ مواقف دقيقة وموضوعية منها ولها تتيح إمكانية الانفراج، وفتح آفاق جديدة للتحول الإيجابي الذي يتطلع إليه المغاربة.
    كل ذلك يدفعنا إلى طرح السؤال: ما الذي أوصل المغرب إلى هذه الدرجة من الاحتقان الذي بدأ يدعو إلى استحضار سنوات السبعينات والثمانينات؟ وماذا بعد نهاية الحراك؟ أسئلة تفرض نفسها للخروج من هذه الدائرة التي لا يمكن اعتبارها سوى حلقة من حلقات حراكات متلاحقة في تاريخ المغرب الحديث. لقد خاض المغاربة نضالات متواصلة منذ الاستقلال لتحقيق المطالب التي ظلوا يحلمون بمعاينتها على أرض الواقع منذ أواسط الستينيات إلى نهاية التسعينيات. كانت تقود هذه النضالات المعارضة والنقابات حين كانت لها وقفات ومواقف. ومنذ بداية الألفية الجديدة، ومع حكومة التناوب، صارت الوقفات المتلاحقة لحملة الشهادات العليا أمام البرلمان، تمثل واقعا جديدا يخبر بأن الأوضاع تجاوزت الأحزاب إلى أن جاء الربيع العربي ليكرس واقعا جديدا فتح آمالا جديدة للتحول. لكن ما جرى في الريف أعاد إلى الأذهان صورة الماضي لكن مع غياب شبه تام للمجتمع السياسي، وما التداعيات الحاصلة الآن سوى تأكيد على ذلك. إلى جانب السؤالين أعلاه، يفرض سؤال آخر نفسه علينا بشدة: من المسؤول عن هذه الدائرة؟ ولماذا نخطو خطوة إلى الأمام لنعود خطوات إلى الوراء؟
    إن لعبة التوازنات بين الدولة والأحزاب والشعب لم تقض إلا بجعل التوازن مبنيا على خلل، وليس على أمل إيجاد الحل. ومن هنا كان تبادل الأدوار مؤسسا على انعدام الثقة وسوء التقدير بين مختلف الأطراف. وحتى عندما تكون هدنة، أو صلح، فهما على دخَن. لقد لعبت الدولة دورا كبيرا في سنوات الرصاص على جعل «السياسة» أمرا «مدنسا»، حتى صارت الكلمة نفسها تعني في المتخيل الشعبي العام، خلال الستينيات والسبعينيات التموقف ضد الدولة، وكل من يشتغل بها ينظر إليه على أنه ضد الملك، وأنه لن يكون إلا معرضا للاعتقال أو النفي. ومع الهامش الديموقراطي في الثمانينيات، لم تبق للسياسة الدلالة التي كانت، وبات الاشتغال بها يعني إمكان دخول البرلمان، أو الحكومة، فبدأت تظهر بوادر الانتهازية لدى بعض المناضلين، وصارت السياسة «مقدسا» يتيح للمشتغل بها إمكانية الحلم بالمقعد وتحصيل المكانة. ولعبت الدولة في هذا السياق المتحول دورا في تحجيم الأحزاب ذات التاريخ النضالي بالتقزيم والتقسيم. وصار الوهم يقضي بأن أي زعيم للحزب مؤهل لأن يصبح برلمانيا أو وزيرا، فصارت الأحزاب تتناسل وتتشرذم، وبدأ الصراع بين الإخوة ـ الأعداء. وجاءت حكومة «التناوب التوافقي» لتكون قاصمة الظهر. فحصل تحييد الأحزاب والنقابات. كانت النتيجة فقدان الثقة في السياسة، وكانت التصويتات العقابية في كل استحقاق انتخابي. إلى أن جاء الربيع العربي، فكانت المطالبة بالإصلاح بين كلمتي الشعب واستجابة الملك. تم التصويت على دستور جديد، وكان الاستثناء المغربي. ومن هذه الكوة فتحت الآمال الجديدة لمستقبل مختلف. فتحت أوراش كبرى، وطرحت مشاريع للتنمية، وعلقت الآمال، إلى أن وقع مشكل تشكيل الحكومة الجديدة، فظهرت الأمور على حقيقتها، وكان حراك الريف إرجاعا للقصة إلى بدياتها، وها هي التداعيات تخبرنا بأن كل ما قيل حول الاستثناء المغربي يستدعي إعادة النظر، وما تداعيات الحراك سوى عنوان على ذلك.
    إن فقدان الثقة هو العنوان الأكبر لما أسميته التوازن المخل. فمن حق الدولة أن تعمل على ضمان سلامة الوطن واستقراره وأمنه، من جهة، ولكنها مطالبة أيضا بتوفير شروط العيش الكريم لمواطنيه، من جهة أخرى. وإذا كان الأمن يقضي بتحقيق شروط استمراره عن طريق المتابعة والمواكبة والمحاسبة فلا بد من إشراك المجتمع السياسي والمدني في هذه المهام الأساسية. أما إضعاف عمل الأحزاب والنقابات والجمعيات فإنه وإن كان يحقق بعض المكاسب المؤقتة، فإنه يلقي بظلاله على صيرورة المجتمع وتطوره، ويؤدي في النهاية إلى فقدان الثقة، وإدامة التوازن المخل. وبالمقابل تتحمل الأحزاب نفسها كامل المسؤولية في فقدان الثقة مع المواطنين حين يصبح همها الأساس هو التهافت على المناصب، وعدم اضطلاعها بدورها الأساس في تأطير وتربية المواطن على المواطنة والانخراط الإيجابي في الصيرورة التي يخطط لها الجميع عن طريق الحياة الديموقراطية في مختلف اشتراطاتها واستحقاقاتها. بل إن عدم تحمل المسؤولية في تدبر الشأن العام في الجهات والمجالس البلدية والقروية لا يمكنه إلا أن يسهم في «تدنيس» السياسة وقد باتت «مقدسة» يجني منها ممارسوها الامتيازات التي تجعل الشعب ينظر إلى المشتغلين بها نظرة سلبية.
    يقول مثل عربي: عدو عاقل خير من صديق جاهل. فالصديق الجاهل يريد أن ينفعك فيضرك. أما العدو العاقل فإنه يتصرف بالحكمة حتى في أقصى درجات اختلال العلاقة. ومن نتائج التوازن المخل خلق «الصديق» الجاهل بدل تكوين «العدو» العاقل. إن اعتماد دولة الحق والقانون وممارستهما بالصورة المناسبة لا يمكن إلا أن يجعل الدولة في مأمن من الخوف من «السياسة». كما أنه بالمقابل يجعل المجتمع السياسي يتحمل مسؤوليته كاملة في تحقيق طموحاته عن طريق التزامه بما يخدم تطور الدولة والمجتمع. ومتى كان القانون فوق الجميع عادت الثقة إلى مختلف الأطراف وسارت الأمور كما تتحدد وفق قواعد اللعبة بدون توجسات أو تخوفات. وما وصلت إليه الأمور مع حراك الريف تأكيد على فقدان الثقة الذي لا يمكن إلا أن يؤدي إلى الاختلالات التي نشهدها اليوم.
    لقد بدأت تظهر بوادر حل أزمة هذا الحراك الذي اتسعت دائرته لتبين أن القضية وطنية، وليست جهوية أو محلية. وما تداعيات الحراك وتفاعلاته سوى تأكيد على ذلك. فكيف يمكننا استعادة الثقة بين مختلف مكونات الشعب المغربي، وتحقيق انطلاقة جديدة تؤكد الصيرورة التي جاء بها خطاب جلالة الملك في 9 مارس عقب كلمة الشعب في 20 فبراير؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي ينبغي للجميع دولة ومجتمعا سياسيا ومدنيا وشعبا العمل على الجواب عنه. إن الجميع مصر على الأمن والأمان، وعلى تحمل مسؤولية عدم انجرار المغرب إلى ما لا تحمد عقباه. بقليل من الجرأة في ممارسة النقد والنقد الذاتي بحوار شفاف، وبدون تخوين أو تبادل اتهامات أو سجالات عقيمة، يمكننا تجاوز كل الأزمات.
    كلنا مسؤولون عن تاريخنا وماضينا وما آل إليه حاضرنا، فكيف نخطط لمستقبل آخر يضمن لنا مغربا آخر؟
    كاتب مغربي
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: تداعيات الريف… وماذا بعد الحراك؟ سعيد يقطين Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top