src=' قصة قصيرة (لا خبر... لا...) ليلى العثمان-الكويت - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الجمعة، 21 يوليو 2017

    قصة قصيرة (لا خبر... لا...) ليلى العثمان-الكويت

    الموسيقى طوفان... والقلب غريق... والجلد يتنفس من تحت الثياب فينفث رائحة سلخه القديم... والصدر... عشق يتوارى... ووجد يتنامى بين الضلوع...
    والطبل, والطار... وصرخات المعجبين والمعجبات بصوت المغني ذي البحة الحزينة... وكلمات الأغنية دبابيس تتخر الذاكرة... وتنزف أحداثها.
    " لا خبر... لا كفيه... لا حامض حلو... لا شربت " يغني... وهم يصفقون " قلبي يحزن... فأين الخبر?? " لا خبر "...
    انقطعت الأخبار بيننا... عيناك السمراوان رحلتا... مدن من الحزن الأسود... تلوحان من البعيد... حيث أنت.
    " ولا كافية " وكنت تلوح بها... عريت شعرك المجعد الكثيف ولوحت بها مودعا وعصرت حزني... من خلف الشباك الزجاجي... ففاض عصيره دمعا أحمر! يغني.. وهم يصفقون بانتشاء حلو..
    نسيت طعمه منذ نسيت جدتي حنانها... وثارت عليَّ... يوم كنت طفلة... حملت لي حامض حلو... وبرميت وأشياء أخرى طرية... حلوة المذاق... لكنها بعد ذلك... غرست نظرتها المرة في وجهي وزعقت:
    - غريب غريب...
    ونفخت ثورتها... ورماد جسدي المسلوخ يتوقد أمامها نارا... وهي تنفخ وتنفخ... ويشتعل اللهب والأكف تشتعل بنار الإعجاب يصفقون... كأنهم يضربون أبواب الذاكرة المنسية أشياؤها تحت الركام... وهو يغني... والحزن يقطر من الصوت أحمر... كقطرات " الشربات ".
    " والشربات " الأحمر على الصواني يدور... وضاربات الطبل, والطار يشربن... وأرى دمي... في الكؤوس
    رائحة الدخان تخنق المكان... ورائحة جسدي شواء قديم يفوح... وحدي أشمه وأتلمس اللحم الذي سلخته سياط ثورتهم... وحرارة صوت جدتي. تصرخ بعنف:
    - غريب غريب وكلهم هنا أغراب تآلفت آذانهم... وحده يغني... غريب عن الدنيا التي يتيه فيها صوته...
    " لا خبر... لا كافية... لا حامض حلو... لا شربت..." وهم يصفقون... والأكف سمراء حرة طليقة... وكفي الحارة تشد على توأمها... وكف أبي الغليظة تلوح, أقبلها في الصباح, وفي المساء... واجب يومي كرهته وثرت عليه ذات يوم... فتمردت... وحين مد كفه تركتها معلقة في الهواء وصوته المتسائل:
    - أراك لا تقبلين يدي...
    وكانت نفسي الحبلى بالحرمان مشمئزة فرددت
    - مخاط إخوتي... و"سعابيلهم" على كفك!
    وذكرني بنظرة حمراء
    - بالأمس رفضت حليب " النوق " الذي قدمته لك.
    قلت:
    - لقد شرب إخوتي منه قبلي
    هزئ بي:
    - اشمأزت نفسك منه... بينما هو حليب أصيل... أهداه لي أحد الأصدقاء الأثرياء... هل تعرفين ماذا يعني هذا?
    - لا يهمني.
    قلتها... نصفها خرج شجاعا... وآخرها جبان يسحب نفسه... وكان الرد تهديدا:
    - حين تكبرين, سأزوجك سيدا, مثل أختك... وستعيشين في قصر كبير. وأصلحت الخطأ بقولي
    - قصدك قبر! أخرج من قبر لأدفن في قبر آخر.. أنا يا أبي أكره القصور وأكره من يعيشون فيها...
    - تسمين القصر قبرا... والعريس??
    - أسميه الدفَّان... والقاتل... أنا يا أبي لن أتزوج
    - حين يأتي العريس... ستحبينه... سيقدم لك حليب النوق... وستشربينه حتى لو بصق فيه ستحبين منه كل شيء... وستقبلين يده... وربما قدميه... ستشمين عرقهما الذي تفوح منه رائحة العز والشبع الذي تعودت عليه هنا أنت أصيلة والأصيلة للأصيل.
    وقلتها:
    - لا......
    وأعلنت عصياني... مرة.... وثلاثا... وعشرا.
    - لا... لن أتزوج من تختار... وسأبحث عن رجل آخر... رجل تفوح من قدميه رائحة التعب... فلاح تتناسل الديدان من تحت أظافر كفه التي تزرع أو ربما...
    عبد مجلود.... عند سيده ألف جلدة أريده صافي العينين... لم يرهق لألاء الذهب بؤبؤهما ولم يذق حليب النوق ويتخم... ولم ترتح ضلوعه على أسرة الحرير والديباج... أريده... رجلا من الأرض... يعشقها ويلتحم بترابها. وينام على عشبها... وأنا على زنده... أغفو, وأحلم... رجل واحد لامرأة واحدة وليس مثلك يا أبي تتنقل كعقرب الساعة من جسد إلى آخر تحرث, وتشبع, والأرض عطشى... كيف تنام يا أبي كل ليلة في فراش ولماذا تريد أن تهديني رجلا... يملك فراشا أو فراشين غير فراشي??
    دعني أبحث... أبحث وحدي
    أبحث عنك في أزقة الذاكرة التي تراكمت فيها الأحداث... أبحث في وجوه الرجال المصطفين أمامي... يتمايلون... ويصفقون... ويرددون مع المغني حزنه, فرحه, كلماته, ألحانه... وأتمنى أن ألمح في وجه أحدهم شبها بك... وحزنا يشبه حزنك... لكن ملامحك غائبة... هاربة من كل الوجوه... مدسوسة في زاوية واحدة من الذاكرة... يوم رحلت... ووجهي يودعك من خلف الزجاج... وأنت تلوح لي بكفتك الحمراء المنقطة... التي تحلم.. تحلم... بالوطن..., بالعودة. وبكفك الذي عرف معنى التعب كفك الغريب عنهم... القريب إلى قرب أنفاسي... ولهاثي... ونبضي.
    يصمت المغني... وفي الذاكرة حنين لا يعرف الصمت! ربة البيت تقترب مني... تقدم الصحن... والسكين, قلبتها بيدي... ريشة أرسم بها على النفحات الحزينة خطوط الحكاية التي كانت.
    تشتتت السحب في كل الأرجاء.
    نأت الصورة الجلية خلف غيوم عنيدة.. وتباعد صوت الوسيط مع اصطخاب الموج.
    لم أعد أرى في رحاب الماء إلا باخرة وحيدة تطلق لحن الاغتراب.
    الملكوت يشيح وجهه عني.
    أصداء ألحان الرحيل تتناوب في عمق المدى لتكرس معزوفة الأسى.
    الباخرة تمضي.. وأنا أجد الخطى العثرة على شاطئ الذهول.
    نهايات متشابهة
    كان اليوم يمر مملا رتيبا, والصمت ينتشر ثقيلا كالرصاص, عندما قرأت الخبر في الجريدة, خبر وفاتها, لم أكن أتصور أن تكون وفاتها بالشكل وبالأسلوب الذي عرفته... الخبر في الجريدة داخل إطار من الحبر الأسود: " إنه نتيجة حادث أليم فقدت الأسرة الأدبية والإعلامية أحد أفرادها " شهيرة ". إنه اسم مستعار وربما انطبق على أوصافها
    وعلى نفسيتها وشخصيتها, ورجع بي الذهن إلى الماضي... إلى سنوات خلت, وقد كنت أجلس على مكتبي في إحدى دور الصحف الوطنية.
    كنت رئيسة تحرير بإحدى المجلات وجاء الساعي, ليخبرني أن سيدة صغيرة تريد مقابلتي...
    دخلت وقدمت نفسها: شاعرة تعمل بالصحافة, رحبت بها بحرارة كعهدي دائما مع البراعم الأدبية الشابة, كانت طليقة الوجه حلوة الابتسامة تحدثت طويلا عن المرأة والشعر والصحافة واشتكت قلة تشجيع المواهب الشابة, كنت أومئ برأسي موافقة وصامتة, فقد كنت أريد معرفتها بنفسي دون أن تقدم نفسها كما كانت تفعل.. قرأت على بعضا من شعرها ناطقا بالفرنسية أوقفتها أنادي على زميلتي المسؤولة عن النشرة باللغة الفرنسية حتى لا يفوتها ما كانت تقرأه من شعر, اهتمام كبير أبديته نحوها, وكأنني كنت أريد أن أنزع تهمة عدم تشجيع المواهب عن المجلة التي أرأس تحريرها, والتي كانت تنطق باسم الجماهيرية النسائية كلها.
    علمت من لقاءات أخرى متكررة معها, أنها ابنة الصحراء, ابنة إحدى المدن المغلقة على كل شيء, على التقاليد, والأمزجة, والذهنيات, رغم ما كان يبدو للناظر إليها, شعر أصفر مصبوغ لباس عصري, حركات مهذبة... إلا أنني رغم كل ذلك شعرت وهي تتكلم وتبتسم وتتواضع, أن الشكل الخارجي لم يغير من ذاتها وشخصيتها وجوهرها شيئا...
    كانت تبحث عن الثقافة والفكر والشعر والفن, تبحث عن إجابات لأسئلة كثيرة... تبحث عن مصير جديد للمرأة في مدينتها, وفي الوطن كله, غير الزواج المبكر والولادة... كانت بشعرها تحاول أن تنطلق إلى آفاق العلم الرحبة, وأجواء الثقافة والفنون حيث الإبداع هو الإنسان... دون التمييز بين المرأة فيه والرجل.. كانت وكأنها لا تريد أن تنطلق وحدها, تحاول أن تنطلق في شخصها بالنساء جميعا, خصوصا نساء مدينتها المغلقة على كل شيء رغم اتساع رقعتها الرملية.
    جاءت تبحث عن كل ذلك في المدينة الكبيرة, في العاصمة, حيث لا فضول ولا رقيب ولا اتهامات باطلة, ولا أحكام مسبقة.
    وبدأت تنشر أشعارها على صفحات المجلة وفعل التودد فعله, وفعلت وحدة النظرة والهدف فعلها وأصبحت عضوا عاملا وعزيزا في أسرة التحرير...
    رغم لسانها الأجنبي فإن عربيتها وأصالتها لا تخفى على أحد, كانت تنطلق دون تكلف أو تصنع, وكثيرا ما كانت تضطر لتوظيفها في حالات اعتبرتها متعبة ومرهقة لروحها المتحررة وفكرها الشرود.
    جاءتني ذات يوم متوترة...
    - إن هذا البلد لا يعترف بالإبداع والعبقريات, بل إنه يضطهد العبقريات والإبداع.
    وضحكت وأنا أجيبها:
    - ومن قال غير ذلك.. لقد اكتشفت هذا متأخرة... ضحك الجميع في مكتبي, ضحكوا بحنان على اكتشافها المتأخر وأصابتها عدوى الابتسام وهي تقول:
    - ذهبت إلى شركة النشر, فرفضت أن تنشر لي أشعاري, قال لي رجل مسؤول, اسمك غير معروف. قلت له إذا أنت لا تقرأ مجلة المرأة, فرد عليَّ مستهزئا:
    - مجلة المرأة للمرأة وليس للرجال...
    وانفجر الجميع بالضحك مرة أخرى.
    وفي يوم من الأيام وجدتها تدخل عليَّ وهي تطير فرحا, وفي يدها نسخة من ديوانها:
    - ما هذا أين طبعته وأين حصل ذلك بهذه السرعة?
    وأجابت:
    - اقرئي آخر الغلاف...
    وقرأت:
    - دار الكندية للنشر... طبعت لها الكتاب, دون أن تعرف عنها شيئا أو تشترط عليها أي شرط... لا اسما معروفا ولا شهرة أدبية.
    دار كندية للنشر... ما أبعدنا عن كندا وكيف تم ذلك.
    وبدأت أطرح عليها وعلى نفسي أسئلة متتالية وهي تبتسم... تنتظر زوال دهشتي لتجيبني بعنفوان:
    - بسيطة.. رأيت إعلانا في جريدة أجنبية عن دار النشر, تنشر الإنتاج الأدبي الناطق بالفرنسية, فاتصلت بها وحصل ما حصل...
    - قرأت ديوانك وقيمت الشعر فيه, واتخذت قرارها...
    - نعم هذا ما حصل...
    مقياس واحد للنشر وهو الإبداع, وليس الاسم أو المصلحة المادية بالأساس...
    لهذا تقدمت الأمم, لأنها تتقن تقييم الأمور والأشياء, معطى حضاري, لا يمكن أن يحصل في المدن المغلقة على كل شيء...
    وحللت وقارنت وندبت على الأطلال والكل يسمعنى دون مقاطعة, ومرت الأيام والسنوات ورسخت شهيرة قدميها في عالم الصحافة والأدب... لكنها لم تحقق ما تريد من أحلامها, أحلامها التي ظلت تعتقد أنها هي أحلام النساء جميعا, أو على الأقل نساء مدينتها المغلقة على كل شيء...
    ظلت تكابد شعورا داخليا بالخيبة والفشل رغم الابتسامة الطليقة, شعور استولى على كل ذرة من وجدانها المرهف شعور بأن نظرة غير مهذبة كالتي تركتها هناك في مدينتها المغلقة ظلت تراقبها وتتابع حركاتها وسكناتها, كان الناس هم الناس, والعيون هي العيون, لا فرق بين مدينة مغلقة وأخرى مفتوحة, يسكنها إنسان واحد يعتز دوما بفكره المغلق, نظرة ملأى بالاتهام المقنع المبرر, نظرة تساؤلاتها اتهامات:
    - كيف استطعت أن تعيشي وحدك في المدينة?
    - وهل فعلا ستستمرين في تحدي أهلك, أقصد المجتمع?
    - وكيف تعيش فتاة عازبة وحدها في شقة وفي مدينة كالعاصمة?
    - والجيران ألا يزعجونك?
    تساؤلات جعلت شعورها بالخيبة يتضخم يوما بعد يوم, وجعلت دمها يتسمم ساعة بعد ساعة وحاولت أن تعالج الأمر واقعيا توددت وصرحت برغبتها في الزواج ولم تحظ بأي تجاوب.
    اكتشفت أن الرجل في المدينة المفتوحة أيضا يفكر بعصره, وعندما يريد الزواج يتزوج بفكر أبيه, بعقلية أجداده المتراكمة يحب المرأة المتعلمة المثقفة ويسمح لنفسه أن يقضي معها أوقاتا سعيدة ويسير بجانبها في الحدائق والنوادي, ويشرب معها في المقاهي... ويجلس معها على مقاعد السينما والمسرح كأي إنسان متحضر, فخورا ونافشا ريشه كالديك الفحل... ولكنه عندما يريد الزواج يلجأ إلى والديه ليخطبا له, أنه يخاف أن تفعل مع غيره ما فعلته معه قبل الزواج...
    وأخيرا أحبت وسعدت بالحب كل السعادة, ولكنها كانت من البداية أخطأت الطريق إلى الحب... يتكلم الناس على التوافق إنهم على حق... فالتوافق شرط أساسي للتتويج الحب ببناء أسرة, هذا ما كانت تريده لكن الرجل الذي وقعت في حبه كان رجلا أمتع اللحظات عنده تلك التي يضيف فيها رقما جديدا إلى قائمة عاشقاته, فالرقم الجديد يضيف إلى نفسه نسبة ونوعية أخرى من الغرور والتباهي.
    أخطأت الطريق... رغم النصيحة... في المدينة المفتوحة, لكن الإرادة والعقل الذي بدأت به خطواتها الأولى وهي تهرب من مدينتها المغلقة كانت قد ذابت مع أكذوبة الحب التي عاشتها, وذات يوم وقد اتضح لها كل شيء وتعرت لها جميع الحقائق وبرزت لها الأوهام مكشرة الأنياب مسلولة الأظافر... لم تحتمل الصدمة ووضعت حدا لحياتها.
    حنانيك أيها القلب الصغير... لا تخاطر بنبضاتك الرقيقة, لا تسرع في النبض إنك أضعف من أن تجابه كل هذا الهول, من أن تلحق شرود الأيام وصخب الحياة, إنك أرق من أن تساير كل هذه المعاناة, كل هذا الليل الطويل الحالك, لماذا تحاول أن تخرج من غلافك الرقيق الشفاف, بماذا تريد التمرد وعلى أي شيء تريد أن تتمرد...
    رفقا بنفسك يا قلب... إن توقفت نبضاتك تعني نهاية إنسان وما قيمة أي شيء آخر مقابل حياة, وما قيمة هذا الإنسان بدون هذا النشيد الآخر....
    كأنك لم تكوني يا شهيرة... وأنت المحظوظة إذا قرن اسمك بالرحمة عليك...
    ضعت كما يضيع كل شيء في الفراغ, ها نحن نعود بعدك إلى الصفر, لنبدأ من جديد... وهل نحن قادرات على البدء من جديد والشيب قد غزا المفارق... والقوة العمياء الجاهلة تجمد الخطوة وتشل الحركة.
    ظلت تكابد شعورا داخليا بالخيبة والفشل رغم الابتسامة الطليقة, شعور استولى على كل ذرة من وجدانها المرهف شعور بأن نظرة غير مهذبة كالتي تركتها هناك في مدينتها المغلقة ظلت تراقبها وتتابع حركاتها وسكناتها, كان الناس هم الناس, والعيون هي العيون, لا فرق بين مدينة مغلقة وأخرى مفتوحة, يسكنها إنسان واحد يعتز دوما بفكره المغلق, نظرة ملأى بالاتهام المقنع المبرر, نظرة تساؤلاتها اتهامات:
    - كيف استطعت أن تعيشي وحدك في المدينة?
    - وهل فعلا ستستمرين في تحدي أهلك, أقصد المجتمع?
    - وكيف تعيش فتاة عازبة وحدها في شقة وفي مدينة كالعاصمة?
    - والجيران ألا يزعجونك?
    تساؤلات جعلت شعورها بالخيبة يتضخم يوما بعد يوم, وجعلت دمها يتسمم ساعة بعد ساعة وحاولت أن تعالج الأمر واقعيا توددت وصرحت برغبتها في الزواج ولم تحظ بأي تجاوب.
    اكتشفت أن الرجل في المدينة المفتوحة أيضا يفكر بعصره, وعندما يريد الزواج يتزوج بفكر أبيه, بعقلية أجداده المتراكمة يحب المرأة المتعلمة المثقفة ويسمح لنفسه أن يقضي معها أوقاتا سعيدة ويسير بجانبها في الحدائق والنوادي, ويشرب معها في المقاهي... ويجلس معها على مقاعد السينما والمسرح كأي إنسان متحضر, فخورا ونافشا ريشه كالديك الفحل... ولكنه عندما يريد الزواج يلجأ إلى والديه ليخطبا له, أنه يخاف أن تفعل مع غيره ما فعلته معه قبل الزواج...
    وأخيرا أحبت وسعدت بالحب كل السعادة, ولكنها كانت من البداية أخطأت الطريق إلى الحب... يتكلم الناس على التوافق إنهم على حق... فالتوافق شرط أساسي للتتويج الحب ببناء أسرة, هذا ما كانت تريده لكن الرجل الذي وقعت في حبه كان رجلا أمتع اللحظات عنده تلك التي يضيف فيها رقما جديدا إلى قائمة عاشقاته, فالرقم الجديد يضيف إلى نفسه نسبة ونوعية أخرى من الغرور والتباهي.
    أخطأت الطريق... رغم النصيحة... في المدينة المفتوحة, لكن الإرادة والعقل الذي بدأت به خطواتها الأولى وهي تهرب من مدينتها المغلقة كانت قد ذابت مع أكذوبة الحب التي عاشتها, وذات يوم وقد اتضح لها كل شيء وتعرت لها جميع الحقائق وبرزت لها الأوهام مكشرة الأنياب مسلولة الأظافر... لم تحتمل الصدمة ووضعت حدا لحياتها.
    حنانيك أيها القلب الصغير... لا تخاطر بنبضاتك الرقيقة, لا تسرع في النبض إنك أضعف من أن تجابه كل هذا الهول, من أن تلحق شرود الأيام وصخب الحياة, إنك أرق من أن تساير كل هذه المعاناة, كل هذا الليل الطويل الحالك, لماذا تحاول أن تخرج من غلافك الرقيق الشفاف, بماذا تريد التمرد وعلى أي شيء تريد أن تتمرد...
    رفقا بنفسك يا قلب... إن توقفت نبضاتك تعني نهاية إنسان وما قيمة أي شيء آخر مقابل حياة, وما قيمة هذا الإنسان بدون هذا النشيد الآخر....
    كأنك لم تكوني يا شهيرة... وأنت المحظوظة إذا قرن اسمك بالرحمة عليك...
    ضعت كما يضيع كل شيء في الفراغ, ها نحن نعود بعدك إلى الصفر, لنبدأ من جديد... وهل نحن قادرات على البدء من جديد والشيب قد غزا المفارق... والقوة العمياء الجاهلة تجمد الخطوة وتشل الحركة.


    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: قصة قصيرة (لا خبر... لا...) ليلى العثمان-الكويت Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top