src=' تحيا الأمية : سناء صليحة - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الأحد، 16 يوليو 2017

    تحيا الأمية : سناء صليحة

    رغم اقتناعى بأهمية العلم و إدراكى لكم المآسى التى يسببها الجهل فإنه يبدو أننى من الآن فصاعدا سأرفع شعار«تحيا الأمية».!!

    والحكاية ببساطة ليست فرقعة إعلامية ولا تقليعة ولا تمردا عن المعلوم والمسلم به ولا تقليل من خطورة أرقام كشفها مؤتمر القمة العالمية للحكومات الذى عقد أخيرا فى دبي، ولكن محصلة طبيعية لظواهر مؤرقة أبطالها حصيلتهم من العلم قشور،سببت ما يشبه اسفكسيا الاختناق للوعى والذاكرة ولمنظومة قيم موروثة يبدو أنه لم يعد لها وجود إلا فى نفوس من يحملون لقب أمى!!
    قبل أسابيع تفضلت أستاذتنا د.هدى وصفى بإرسال قائمة أرقام مرعبة كشفتها القمة العالمية للحكومات التى رعاها حاكم دبي، سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فى دبى من 12-14 فبراير 2017، أوضحت أن 57 مليون عربى لا يعرفون القراءة والكتابة وان 13.5 مليون طفل عربى لم يلتحقوا بالمدرسة هذا العام، وأن العالم العربى ينتج 20 ألف كتاب فقط سنوياً، وأن 410 ملايين عربى لديهم 2٫900 براءة اختراع فقط، بينما 50 مليون كورى لديهم 20٫201 براءة اختراع وأن30مليون عربى يعيشون تحت خط الفقر وان معدل الزيادة فى الفقر،ارتفع فى العامين الأخيرين فى المنطقة العربية بنسبة 8% و أن 75 % من لاجئ العالم عرب وأنه فى الفترة من عام 2011 حتى 2017 تم تشريد 14 مليون عربى ووصلت الخسائر البشرية إلى 1.4 مليون قتيل و جريح عربى وتدمير بنية تحتية بقيمة 460 مليار دولار.. والحقيقة انه بقدر مأساوية الأوضاع المتردية فى منطقتنا التى تكشفها الأرقام السابقة بقدر ما تطرح من أسئلة أظن أن التوقف أمامها ضرورة لأمة ترزح تحت نير واقع مرعب بات يهددها بالفناء ..فهل مشكلات الفساد وتفشى الإرهاب والتطرف والفقر المادى والإبداعى التى أشار إليها التقرير سببها التسرب من التعليم وندرة عدد المدارس والجامعات بالمقارنة للكثافة السكانية ؟! لماذا تتفاقم الظواهر السلبية فى مجتمعنا رغم أن نسبة حملة الشهادات العليا الآن تفوق الأعداد التى شهدتها مصر فى بداية القرن العشرين يوم كانت الابتدائية شهادة يفخر بها حاملها وتؤهله للعمل ونشرت الجريدة الرسمية أسماء النجباء السبعة فى القطر المصرى الذين حصلوا على «البكالوريا» أو ما يعادل الثانوية العامة الآن وكانت من بينهم نبوية موسي؟! لماذا لم تستطع أعداد الخريجين من مراحل التعليم المختلفة أن تحد من تدهور الأوضاع التى تفضحها الأرقام وتقاوم التردى أيا كانت أسبابه ومهما يكن حجم المؤامرة مثلما قاوم أجدادنا نيران مستعمرين وطغاة ومؤامرات؟! هل تكمن المشكلة أن هناك تدهور فى الجينات أم غزو ثقافى أتى ثمراته أم فى طبيعة تعليم ومنظومة ثقافية منتجها قشور من معرفة تستلب الروح وتغيب الوعى؟!
    أسئلة تفرض نفسها فى ظل سيل الرسائل السلبية التى تبثها وسائل الإعلام التقليدية و شبكات التواصل الاجتماعى على لسان كل من هب ودب ممن تصوروا أنهم أصبحوا بقدرة قادر خبراء فى كل شئ لمجرد تمكنهم من الدخول لهذا الفضاء السحرى بعد أن تخلصوا من أمية التعامل مع أزرار الحاسبات، أو لأنهم يتحلون بشهادات عليا أو متوسطة، غالبا لم تؤهلهم فعليا فى تخصصهم أو تعدهم لسوق العمل أو تمحو أمية وعى ومشاعر !! المدهش أنه فى زمن تكدس وسائل الإعلام التقليدية والفضاء الافتراضى بتعليقات وتنظير وسباب وشجار وصل أحيانا للاشتباك الجسدى لفرض رؤى خاصة،لا يزال من ننعتهم بالأمية حائط الصد ضد فتن ومهاترات كفيلة بأن تأتى على الأخضر واليابس.. ويظل السؤال ما هى الأمية؟ أهى الجهل بالحروف وبعض المهارات أم أنها حالة اخطر وأشمل؟ وأيهما اخطر.. أمية الحروف والحاسبات أم تصحر الروح وأمية الفكر والمشاعر والعجز عن استشراف خطر الدوران فى فلك جمل وتعبيرات رنانة وحذلقة لغوية تخفى وراءها خواء الروح والعقل؟!

    فى زمن جمع بين جيل عاصر «صييت» لا يكل ولا يمل من تكرار الليل والعين لساعات ولو أدى الأمر لأن يتبين المستمعون الخيط الأبيض من الأسود قبل أن ينتهى من وصلة غنائية يصر أن يجودها احتراما للفن والصنعة، وآخر شاهد البلورة السحرية وقد تحولت لشاشة تليفزيون وبساط الريح وقد اصبح صاروخا حمل الكلبة «لايكا» للفضاء، وظف الكاتبان سمير خفاجى ومحمد دوارة فى احد مشاهد مسرحية «اصل وصورة» التكرار وبطء الايقاع وعبثية حوار، ابدع اداءه عبد المنعم مدبولى ومحمد عوض، ليجسد حال ادعياء الصحافة ومرتزقة كل المهن.ففيما كان عبد المنعم مدبولى يفبرك لقاء صحفيا لم يتم مع ثرى هندى اخذ يكرر على محمد عوض، عبارة « ثم اخذ يفكر ويفكر»، وبعد ما لا يقل عن ربع ساعة من التكرار أتحف الصحفى المدعى قراء صحيفته ومشاهدى المسرحية بالإجابة اللوذعية اذ أملى عوض فى حوار عنوانه « المهراجا يحب الملوخية»، تصريحا نصه «طلعت أدب نزلت أدب لقيت الدب- بيقزقز لب!!»
    وبغض النظر عن التحليلات الفوقية وكل ما يتبادر للذهن من تحليلات عبثية عن المعانى الكامنة فيما اتحفنا به مدبولى فى عبارته الموزونة الإيقاع عن رمزية ترك اللب وأكل الدب !!، تظل الحقيقة أن خفاجى ودوارة فى عملهما الكوميدى استهدفا نقل صورة كاريكاتيرية لحالة فقدان المهنية واستغلال قشور معرفة لتحقيق مكاسب مادية فى زمن لم يعرف من الاعلام سوى مطبوعة وميكرفون وكاميرا بدأت آنذاك تطل على استحياء..حالة وإن تخلص ابطالها من أمية الحروف، اهالوا التراب على ضمائرهم ليتعايشوا مع منظومة وضعها تاجر خردة جاهل تحول لصاحب مطبوعة اعلامية، ليظل ابو العنين الحانوتى الامى حالة الصدق والتوافق النفسى والفعلى الوحيدة فى العمل ،ويظل عوض او بمعنى اصح الصحفى أبو المكارم ممزقا بين وعى وإدراك بما يجب أن يكون وبين ما يفرضه الواقع!! .
    تمر السنوات وتتغير الأحوال وتنفتح السماوات وتزدحم بأشكال وأنواع من بث مسموع ومكتوب وأتصور مثلما يتصور كثيرون غيرى أن حالة أمية الفكر والضمير، بفضل التكنولوجيا والثورة الإعلامية وتزايد حملة الشهادات والخبراء الذين يطالعوننا ليلا ونهارا، تقلصت وأوشكت أن تصبح أثراً بعد عين ولكن ..!!
    تفوق الاعلامى اللامع المعاصر على عبد العزيز فى المسرحية، الذى اكتشفت أن نفسه لم يكن طويلا بما يكفى وهو يكرر ويكرر «تهجيصه»..
    فعلى مدى نصف ساعة قطعتها فى الطريق ما بين جامعة القاهرة ووسط المدينة فى عربة مترو اكتظت بالجمهور المستهدف من وسائل الإعلام بجميع أشكالها، أتحفنا الخبير -الذى يحمل شهادات من المفترض أنها لم تمح فقط أمية الحروف بل أيضا نقلته لصفوف المعلمين وصناع الرأى العام ـ بحوار كل كلمة فيه تؤكد أن كل طرفة عين فى حياتنا مرهونة بالسحر والأعمال السفلية والأحجبة لدرجة أننى أوشكت أن أوقن انه سينهى الفقرة بالتكرم على مستمعيه بأسماء وعناوين وهواتف المشعوذين الموثوق بهم!!
    المثير أن الحوار الذى استمع إليه ركاب عربة المترو عبر مذياع صغير حمله مراهق واستقر مؤشره على حملة التبشير بالشعوذة- بعد تنقل بين موجات مختلفة تطايرت منها موسيقى مُهجنة لا تعرف أصلها وحوارات من نوع «كيف تخفى نقودك عن والدتك عندما تنظف حجرتك!!» يقدمها ورثة عبد العزيز وغزال الذين حولوا المسرحية لواقع- أول من تصدت له سيدة أمية كشفت حمولتها قبل تعليقاتها هويتها وحكايتها.. فبائعة الليمون التى تفترش الطريق بجوار إحدى محطات المترو لتلقط رزقها، لم تفلح هجمات شرطة المرافق وضيق الحال ومشكلاتها فى تغييب وعي، لم يسعفها فقط فى الرد على ترهات الاعلامى المتعلم المروج للشعوذة، بل أيضا جعلنى أدرك فساد منطقى عندما أزعجتنى فكرة رفع تذكرة مترو لم تتزحزح منذ افتتاحه عندما قارنتها بتعريفة الميكروباص والتوك توك لمسافات أقصر..!! ومابين صاحب الميكروفون واللاعبين على أزرار حاسب، وبين حانوتى المسرحية وبائعة ليمون المترو أتساءل.. ما الأمية ومن ننعتهم بها؟! و للحديث بقية

    قبل اسبوعين فى سياق مقارنة بين سلوكيات وممارسات حملة الشهادات والخبراء وبين اولئك الذين لا يحملون سوى شهادة التوحيد بالله فيما يخص قضايا الوطن بدءاً من محاولة اشعال الفتن الطائفية وصولا للشعوذة والتشكيك فى الثوابت الوطنية ،تقافزت أمامى أكثر من علامة استفهام مشاغبة حول معنى الأمية ومن الاحق بأن ننعته بها وإذا ما كان الزمان دار دورته فبتنا نعيش زمنا يرفع فيه شعار «تحيا الأمية»!! ...
    فرغم أن التاريخ يؤكد أن العلم كان السلاح الأمضى للإنسان على مر العصور فى كل معاركه على الارض منذ الخليقة وأن كلمة الأمية فى حدود علمى - لم تقترن قط على مدى التاريخ البشرى بأى حالة إيجابية اللهم إلا فى حالة وصف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالنبى الأمى لتأكيد أن رسالته إنما كانت وحياً من السماء ، وأن كل الدراسات وتقارير التنمية ووثائق منظمات الامم المتحدة، تؤكد أن الامية مشكلة قومية ذات تداعيات اجتماعية واقتصادية وثقافية وصحية مدمرة لأى مجتمع ، فإن كثيراً من الظواهر التى بات يعج بها مجتمعنا أظنها تطرح اسئلة حول التعريفات التى استقرت للأمية باعتبارها عدم القدرة علي قراءة وكتابة جُمل بسيطة فى أى «لغة» أو تزيد بعضها بإضافة الجهل بالتعامل مع الحاسب الآلي.
    والأمر هنا ليس دفاعا عن التسريب من التعليم أو انقلابا على دعوة عميد الادب العربى التى اطلقها فى ثلاثينيات القرن العشرين ومقولته الشهيرة ان التعليم حق للجميع كالماء والهواء ـ اللذين يبدو مع الاسف أنهما لم يعودا حقا للجميع!!- ولكن يبدو أنه بات من المحتم أن ندرك الفرق بين الجهل بالحروف وأدوات التكنولوجيا وبين امية الوعى والإدراك والمشاعر والمعرفة التى اظنها اخطر من الامية الهجائية بدليل أن البحث عن ورثة حملة القلم والعلم الذين صنعوا تاريخ مصر على مر العصور بات أشبه بالبحث عن إبرة فى كوم قش!!
    وبعيدا عن الدخول فى جدل حول النبرة التشاؤمية أو حالة النوستالجيا لماض لن يعود أو التشكيك و إهدار حق ملايين من حملة الشهادات الدراسية الموثقة والمضروبة أو ملاحظاتى حول سلوكيات المصريين المتعلمين ومن نصمهم بالجهل، فقد بدأ العالم يدرك الآن للأمية اشكالا وان اختلفت انواعها وأسبابها تتفق كلها فى آثارها الكارثية !!
    فالأمية فى أبسط اشكالها هجائيّة بمعنى عدم قدرة الشخص على معرفة الحروف الأبجديّة والهجائيّة للغة الخاصة به وبالتالى تعلّم القراءة والكتابة ، أما الأُميّة الوظيفيّة فهى عدم قدرة الشخص على فهم المبادئ والأساسيّات الخاصّة بطبيعة العمل والوظيفة التى يشغلها وترتبط بها الأُميّة المهنية التى تعنى عدم معرفة الشخص بالمهن التى يجب القيام بها والتى تتناسب مع قدراته. النوع الثالث من الامية هوالأُميّة المعلوماتيّة وتعنى عدم قدرة الشخص على الحصول على المعلومات المختلفة والمتنوعة التى يحتاجها فى العديد من مجالات حياته. أما الأمية الثقافيّة فهى غياب الموروث الثقافى وتسطيح الوعى وعدم الالمام بمكونات حضارته والحضارات المختلفة والعجز عن التفاعل معها و النهل من منابع الثقافة المتعددة محليا وعالميا ..يضاف إلى ذلك الأُميّة العلمية وهى عدم قدرة الشخص على الحصول على مستوى تعليميّ والشهادات العلمية المختلفة. أما الأُميّة البيئيّة فهى جهل الشخص بكلّ ما يتعلق بالبيئة التى يعيش فيها وعدم قدرته على التفاعل معها والحافظ عليها.. وتأتى الامية الحضارية فى قمة الهرم وتعريفها عدم مقدرة الاشخاص المتعلمين على مواكبة معطيات العصر العلمية والتكنولوجية والفكرية والثقافية والفلسفية والايديولوجية والتفاعل معها بعقلية ديناميكية قادرة على فهم المتغيرات الجديدة وتوظيفها ابداعيا بما يحقق الانسجام والتلاؤم ما بين ذواتهم والعصر الذى ينتمون إليه.. وفى سياق التعريفات السابقة وما هو معلوم عن تراتبية الدول والأفراد طبقا لتراكمية المعلومات والقدرة على توظيفها بكفاءة، يظل السؤال مطروحا .. هل لا يزال الخطر الذى يتهددنا قاصرا على إحصائيات عدد أمى الحروف الهجائية وحملة الشهادات؟ وما السبيل لمحو أمية نقدم لها فى كل لحظة التحية دون أن ندرى ؟

    فى رائعة عبد الرحمن فهمى «دماء على الصحراء» يتصدى الأجير الفقير سعداوى بوحى من وعى فطرى لمنظومة قيم فاسدة يكرسها شيخ القرية موسى الذى اكتسب مكانته ولقبه بفضل زى وشذرات من علم لم يستوعبه فعاد لقريته ليتحول لترس فى آلة البطش الجهنمية بالبسطاء سواء على مستوى العلاقات البسيطة بين الافراد او علاقتهم «بعويل القرية» وبأسيادها من الأثرياء وقطاع الطرق وصولا لتمرير نظام السخرة الذى فرضه الخديوى سعيد فى زمن حفر القناة ..تختلف الأماكن والحبكة الروائية أو القصصية وأسماء الأبطال وتتعدد الصور ويظل المضمون واحدا....تكريس الجهل والظلم تحت مظلة متهرئة من قشور علم ومحو أمية هجائية.. ففى زمن كان الخروج فيه من القرية والارتحال للقاهرة أو البندر لتلقى العلم أو العمل ثم العودة للقرية موسميا بمثابة حجر تتلقفه المياه الراكدة ..يتحول السكون لصخب وتصبغ الأحداث الدرامية أياما و ليالى باهتة، وكأن العائد يرجع محملا بنفحة حياة و برياح التغيير رغم اعتراض ومحاربة من «يفكون الخط» والذين لم يحصلوا من العلم إلا على قشور، كثيرا ما أعمت القلوب وغيبت البصائر..هذا ما وشت به مُجمل أعمال كتابنا منذ ظهور رواية زينب لحسين هيكل مرورا بأيام وشجرة بؤس وأديب طه حسين وبوسطجى يحيى حقى، وتجلى سواء فى صدام «أديب» طه حسين مع صاحب المتجر الذى يلتف حوله الفلاحون فى حلقة سمر أبطالها العفاريت والعياذ بالله أو مع شيخ قرية أحمد رشدى صالح فى فيلم الزوجة الثانية الذى يحاول إقناع الفلاح أبو العلا بتطليق زوجة بتكرار « أطيعوا الله و أطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم» وإغفال معنى وباقى الآية الكريمة (59 سورة النساء ).. وهنا يطرح السؤال نفسه كيف استوعب نموذج سعداوى الأجير الأمى، والذى تكرر بشكل أو بآخر فى أكثر من عمل روائي، ما لم يدركه الشيخ موسى وأقرانه ممن حظوا بقدر من العلم أو تحلوا بشهادات علمية ؟ قدم الادب الاجابة ولخصها فى وعى فطرى لم يتم تزييفه وجينات حضارية موروثة مقابل قشور من علم، وهو الامر الذى اكدته الدراسات الحديثة عندما وضعت خريطة توضيحية لأشكال الجهل واعتبرت الامية الهجائية ابسط اشكالها، إذ عرضت للأُميّة الوظيفيّة والمهنية ( بمعنى عدم القدرة على فهم أساسيّات طبيعة العمل والوظيفة والمهن المناسبة لقدرات كل شخص) والأُميّة المعلوماتيّة المتمثلة فى عدم الحصول على المعلومات المختلفة التى يحتاجها الانسان فى مجالات حياته والأمية الثقافيّة التى تتجلى فى غياب الموروث الثقافى وتسطيح الوعى وعدم الالمام بمكونات الهوية والحضارات المختلفة والعجز عن التفاعل معه.. ثم أضافت الأُميّة العلمية (عدم القدرة على الحصول على مستوى تعليميّ أوالشهادات العلمية) والأُميّة البيئيّة بمعنى الجهل بكلّ ما يتعلق بالبيئة والعجز عن التفاعل معها والحافظ عليها، لتأتى الامية الحضارية فى قمة الهرم عندما يفشل المتعلمون فى مواكبة معطيات العصر بأشكالها المختلفة وتوظيفها إبداعيا بما يحقق الانسجام والتلاؤم بين ذواتهم والعصر الذى ينتمون إليه.. وأظننى لا أبالغ إذا ما قلت إن التوقف للحظات أمام بعض مما نواجهه فى حياتنا اليومية على كافة المستويات ورده الى التعريفات المشار اليها فيما سبق لا يؤكد فقط أننا نعانى امية متعددة الاشكال ربما اقلها خطورة الامية الهجائية، ذلك أن بعض ضحاياها يتمتعون بوعى حضارى وبصيرة تؤكدها شواهد عرضنا لها من قبل، بل إن الخطورة الحقيقية تتمثل فى عدم الوعى بأشكال الامية المختلفة وتجاهل نتائجها الكارثية وأنها السبب الحقيقى وراء العديد من الظواهر والمظاهر التى تؤرقنا ولا نملك ازاءها إلا ضرب كف بكف انتظارا لما تأتى به الايام من كوارث، لا نعترف أننا جزء أصيل فى صنعها!!وفى تقديرى أن درء هذا الخطر لن يتأتى إلا بتنشئة مجتمعية عناصرها مناهج تعليمية وإعلام واع ومؤسسات ثقافية تضطلع بدورها لمحو الجهل بكل أشكاله وإلا ستظل الأمية واقعا وهتافا نردده وإن استنكرناه ..
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: تحيا الأمية : سناء صليحة Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top