src=' دارُ جَـدَّتِي : أحمد بنميمون - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    السبت، 15 يوليو 2017

    دارُ جَـدَّتِي : أحمد بنميمون

    لم تكن تقطن في حي معلوم من بين أحياء هذه المدينة العتيقة
    فهي كما أراها تفعل الآن وهي تغوص في ذاكرتي لا تريم،
    لم تحلَّ يوماً بين جدران تخصها،
    فأستطيع الاهتداء إليها بعيون مُغمضة،
    وأنا أسمع نشيداً يهدر به نهْـرٌ دافق،
    أو أجراس قطيع ماعز جبلي كان صاحبه الريفيِّ
    يحرص على فتح الأبواب له صباحاُ
    ليذهب به رعاته إلى مراعٍ لا يعرفها سواهم ،
    وكانت تشنف اسماعنا حكايات ذئاب
    تهدد حيوات صغار النعاج،
    بمثل ما تهددنا به ظلمات أزقة شحيحة النور،
    كانت تجعل أحلامنا تضج من أخبار لصوص
    كانوا يسطون على المنازل تحت جنح الليل،
    دون أن يظفر أحد بنظرة إلى وجوههم العزيزة،
    ليطلب منهم أن يقللوا من منسوب إرهاب أطفالنا إلى الحد الأدنى ،
    حتى تهدأ أسرتنا إذا ما أضطُرٍرنا مساءً
    إلى الاحتماء بها من برد ثلوج وسياط رياح
    كان لها عزيف الجن في لسمفونيات أعيادها
    وهي تحتفي بها داخل نيران الجحيم.
    ....
    جدتي كانت تأتي من حَيّْ النبع أيضاً.
    أو كنت أفاجأ بها أحياناً ،
    وهي تصعد إلي ابنتها من الطابق الأرضي من بيتنا ،
    وكأنها كانت قد اختارتْ اللجوءَ إلى سردابهِ،
    فراراً من مواقيت الطعام ، لتتألم أمي وهي تقول لها:
    "ايتها المصرة على الهرب من رزقك "،
    لكن جدتي كأي مؤمن صادق بقضيته ، محتمٍ بكرامته ،
    كانت تفضل أن تشم يديها وتشبع،
    دون أن تجأر بالشكوى من خناجر
    كانت لا تني تمزٍّق منها ، ما لا يحس به سواها.
    يوم اختارت أن تسافر،
    كما قال لي أبي، وهو يُنهي إليّ خبر موتها،
    كانت قد أمضتْ بضعة أشهر في حضن ابنتها الوحيدة
    التي ظلت طوال أيام تناديها: " يا أمي".
    ومع آلامها العظيمة،
    لم تفقدْ سخريَّتَها من دنيا لم تُضحِك لها سِناً يوماً.
    ....
    جَـدَّتي الآن تقارب أن تتجول في البرزخ إلى عنوان جديد
    فقد قاربت أن بكمل الآربعين سنة مية ً في هدوء تام.
    رغم أنني كلما زوتُ قبور أهلي، ألقي نظرة ،
    لا تتألم ولا تفرح، على ضريحها البائس،
    الذي لا يتفق مع ما فاض من عيني من أنهار دمع كان بلا فائدة،
    فحتى أمي التي حظيت بضريح أقل بؤساً،
    طالما حدثَتْنِي هي أيضاً، في لهجة ساخرة:
    "أبكني وأنا حية ٌ...أما إذا مِتُّ... "
    وكانت تُكمل، بمرارة فادحة، عبارتها باشارة من الوسطى،
    ترسلها بدون تحديد اتجاه،
    وتسرع إلى الاستغراق فيما يكون بين يديها من شُغل.
    ....
    أين أذهب الآن في البحث عنك يا جدتي التي لم تشك يوماً؟
    العالم الآن يضج ببكاء صغيرات لم يجربن موقفاً واحداً مما عشتِ
    وأنا اليوم لا أتذكر جداراً أقمت داخله ، فكانك لم تعرفي
    غير أشجار فواكهنا الموسمية التي كنت أراك تتذوقين أول ثمارها ،
    وأنت تقولين : (هكذا على من عاش..) وأنا أتسلق ،
    بينا أشدو مع غناءٍ شعبي صوتاً أكرره دون ملل:" مشالو غزالو..."
    وأنا وأياك على شجرة ،
    أو على مشارف حقول فاتنة ،عائديْنِ صباحاً ،
    قبل أن تعم شمس الخريف،
    إلى دور لا أتذكر منها الآن إلا قراميدها المفقودة.
    وجدتي أيضاً لم تنس نصيبها من إرثِ شجرة
    كانت تنسب إليها دار لا اعرف موقعها
    لأن طيور اً من جحيم كانت قد أكلت من رأسها
    العقل والعين واللسان.
    فلم يعد هناك من يدري شيئاً أو يرى أوراقاً
    او حتى يحكي عما كانت الشجرة تنشره من ظلال.
    ....
    آه يا جدتي ... لقد فقدتْ حتى دورُنا أوجهَها القديمة.
    حنى أنا أكاد أصبِحُ بلا وجْهٍ ،
    بعد أن حُرِمتُ من الجهرَ بما أريد.
    كما كنتِ أنتِ أيضاً قد حُرِمتِ من ذلك،
    لكن مع اختياركِ الذي كان لكِ ،
    رغم القهر،
    أن تسخري من الجميع.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    13/07/2017
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: دارُ جَـدَّتِي : أحمد بنميمون Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top