src=' .. وهل انعدم التساؤل أيضا ؟ نوال السعداوي - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    السبت، 5 أغسطس، 2017

    .. وهل انعدم التساؤل أيضا ؟ نوال السعداوي

    كيف نمتلك الوعى لندرك الحقائق من تحت ركام الأكاذيب الموروثة والسائدة فى علوم التاريخ والسياسة والفلسفة والدين والطب والفن والقانون والأخلاق؟ كيف يمتلك العقل
    المصرى القدرة على كشف الخطط الذكية لإخفاء الظلم والاغتصاب الجسدى والاقتصادي، تحت ستائر من الروحانيات والمقدسات؟
    أى عقل عبقرى يملك القدرة على فك طلاسم الاسلاموفوبيا مثلا، أو الحروب الداعشية والفتن الدينية، ليكشف الخطط الأوروبية الأمريكية الإسرائيلية الخفية، ويخترق الدخان الإعلامى الكثيف حول المسجد الأقصى مثلا، الذى تصنعه إسرائيل لتغطى على قتلها الفلسطينيين بالسجون وإقامة المزيد من المستوطنات غير القانونية دوليا ومحليا؟ هل يقترن الإجرام بالذكاء والمكر وتطور القدرات العقلية ؟ لماذا يزداد الثراء والقوة للدولة أو للفرد بازدياد القدرة على الكذب والخداع ؟
    أصبحت إسرائيل أقوى دولة فى المنطقة، رغم جرائمها الوحشية وخرقها الدائم لقرارات الأمم المتحدة، وأصبحت الولايات المتحدة أقوى دولة فى العالم، رغم جرائمها المعروفة ومساندتها الدائمة لإسرائيل. من تجاربى فى الحياة وجدت أن أكثر الرجال أو النساء قدرة على الخداع هم الأكثر ثراء واعتلاء للمناصب، وبالأمس دعانى صديق قديم لا يكف عن الكتابة عن الديمقراطية، كان قريبا من الحكام فى كل العهود، لم يتعرض لبطشهم رغم أنه يعارضهم أحيانا، لكنه يجيد المراوغة والتبرير، معارضا كان أو مؤيدا، ويعتبر النفاق ذكاء اجتماعيا، كسب الجميع ولم يكشفه أحد، حتى زوجته لم تعرف شيئا عن حياته خارج البيت، يتخلى عن أصدقائه فى الأزمات، وإن بطشت بهم السلطة لمجرد التعبير عن رأيهم. لم أسمع صوته حين عشت المنفى والسجن وقضايا الحسبة وغيرها من الشدائد، ثم دعانى إلى بيته أخيرا فى الحى الراقي، لم أعرف لماذا؟ وقلت لنفسى ربما تلهمنى الدعوة بفكرة جديدة لقضية أو مقال.
    كانت المائدة فى الفيللا الفخمة محملة بأشهى الأطعمة.. الخدم والسفرجية يحومون حولها حاملين الأطباق والصوانى والمشروبات الروحانية فى أوان فضية، والآيات المقدسات منقوشة داخل براويز ذهبية، وأجهزة التكييف تجعل الجو ربيعا، رغم ان الحرارة ثلاث وأربعون مئوية بالخارج والنوافذ الزجاجية الكبيرة، تكشف الحديقة الدائرية والأشجار.
    تذكرت فيللا شكرى بيه فى طفولتي، نشأت بين طبقتين مختلفتين، أهل أبى الفقراء فى القرية، رغم «جلابيبهم» المتربة، كانوا أكثر إنسانية وصدقا من عائلة أمى الأثرياء، رغم بدلهم المكوية وفساتينهن اللامعة، وتم انحيازى لأهل القرية بالفطرة، ولأنهم وقفوا مع الثورة ضد الاستعمار والملك والإخوان والطبقة الحاكمة الثرية، الذين اتهموا عبد الناصر بالشيوعية، رغم أنه وضع الشيوعيين بالسجون عشرة أعوام بالأشغال الشاقة. ورثت الطبقات الحاكمة أساليب الخداع والمكر من الاستعمار القديم والجديد. وراحوا يلوكون كلماتهم البراقة، منها كلمة الديمقراطية، أصبحت إسرائيل هى الدولة الديمقراطية الوحيدة فى المنطقة، والولايات المتحدة الأمريكية هى واحة الديمقراطية.
    وتعمل إدارة دونالد ترامب اليوم مع بعض أعضاء الكونجرس على استصدار قانون يمنع المواطن الأمريكى من المشاركة فى الحملة الشعبية التى ترفع شعار المقاطعة لمنتجات المستوطنات الإسرائيلية المقامة على أراض فلسطينية محتلة، هكذا تكشف الديمقراطية الأمريكية عن حقيقتها الديكتاتورية، وهى تحاول ضرب شعبها ذاته، وانتهاك حريته فى التعبير عن نفسه ضد الظلم والاستبداد العنصري. وترفض إسرائيل تنفيذ إنذارات مجلس الأمن وقرارات الأمم المتحدة المتكررة على مدى السنين، ولا تتلقى أى عقاب إن ضربت العراق وسوريا بالقنابل، بل تكافأ بالمزيد من الأموال والسلاح الكيماوى والنووى المتطور، وتعاقب الشعوب العربية جميعا دون استثناء، الفلسطينى بالقتل والفتن والتقسيم والإرهاب، و«اغتيال» القذافى وصدام حسين وجمال عبد الناصر وغيرهم، بتهمة الاستبداد والديكتاتورية، ويكافأ الحكام العرب الذين تخلوا عن شعوبهم وتعاونوا مع الاستعمار الأمريكى الإسرائيلي.
    اليوم هل تشارك النخب المصرية والعربية فى حملة مقاطعة منتجات إسرائيل؟ بدلا من الحملات ضد عبدالناصر؟ أو نشر الفتاوى فى الأكشاك والصلاة بالمسجد الأقصى؟ أو حملات تحجيب الأطفال البنات وختانهن وتعدد الزوجات وزواج القاصرات؟ ألا تسأل النخب المصرية والعربية نفسها هذا السؤال: لماذا تحدث حملات المقاطعة لمنتجات إسرائيل دائما من خارج الوطن العربي؟

    هذه الجماعات الشعبية المناضلة من النساء والرجال، متعددة الثقافات والديانات وأغلبهم ليس لهم دين، لكنهم يؤمنون بالإنسانية والعدل والكرامة والحرية والمساواة بين جميع الشعوب، بصرف النظر عن الدين أو الجنس أو الجنسية، ويدافعون عن حقوقنا أكثر مما ندافع نحن عنها، أليس هذا مثيرا للخجل؟ أو للتفكير؟ أو للتساؤل على الأقل.
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: .. وهل انعدم التساؤل أيضا ؟ نوال السعداوي Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top