src=' حفنة حظ. بقلم: شهربان معدي. - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الجمعة، 11 أغسطس، 2017

    حفنة حظ. بقلم: شهربان معدي.

    كان في حالة نفسية سيئة بل سيئة جدًا، بعد المَشّادة الكلامية التي اشتعلت بينه وبين رب عمله! قبض على المُكنسة الفارعة الطول وهو يُتمّتم بصوت خفيض: 
    - أنا مُجرّد عامل نظافة.. عامل نظافة! من يكّترث لأمري..! أو يهمّهُ مصير أولادي وما أُعانيه وأُكابده في هذه الحياة القاسية! أليس لدي مشاعري ولديّ كرامتي! ما باله صاحب هذا الكراج المنحوس، ينفُضني كسجادة مُهترئة كلما أغاظه إحدى زبائنه؟
    لم يعد بوسعي أن احتمله واستسيغ كلماته النابية...تبًا للحاجة والفاقة اللذان أجبراني على تحمل كل هذا ال..
    ولكن ما يجبرنا تحمّل المُر إلاّ الأشد مرارة منهُ!
    حنانيك يا رباه الا يكفيني زوّجتي سليطة اللسان وأولادي الخمسة الذين لا يرّحمون! وشرنقة الفقر التي حُشرت بها مذ نعومة أظافري..!
    وتذكّر أنهُ كان طالبا موهوبا في الابتدائية، وإن لم يكن الأول في الصف،  ولطالما لقّبته إحدى مُعلماتهُ بالأرّمني لتعدد مواهبه! ولكن هذا الفُقر المُدقع وقلة الحظ، شتت مواهبه بل قتل فيه روح الإبداع وسلبَهُ كل الأجّندة التي كان يُريد أن يُسَخّرَها لمصلَحَتِهِ الشخصية أو للمصلحة العامة!
     ليته يحظى يوما ما بحفنة حظ حتى ولو كانت بحجم حفنة ابنه الصغير لربما تغيّرت خارطة حياته البائسة إلى الأفضل، لتزغرد على تضاريسها أهازيج الفرح الأخضر!
    كان الضُحى يتجوّل في تلك المَدينة الكبيرة، عندما أخذت عين الشمس الحارقة مأخذَها من هذا العامل المسكين.. الذي أفرغ كل ما تبَقّى في قنينة الماء الفاترة التي بحوّزتِهِ ليُرَطّب جَوّفِهِ الجاف، اسّتدار ليرميها في حاوية النِفايات القريبة منهُ وكاد ألق عيّنيه يسقط على الرصيف عندما رآها مُسّتلقيةٌ هُناك!
    لم تَكُن كَبيرة.. ولكنها كانت محفظة رجّالية جَديدة، ومُكّتَنزة، بل سمينة جداً حتى أنهُ خُيّلَ إليّهِ أن الأوراق النقدية تُكاد تقفز مِنّها.. وبحركةٍ لا شعورية انحنى بسرعة البرق والتقطها بخفّة؛  ودسّها بجيب بناطله الخلفية، وعاد ليتأبط المُكنسة الفارعة الطول، وتابع عمله مُتظاهرا بأن ثمة شيئا  لم يحدث، وكان يشعر بتخمة السعادة..! تملئهُ من رأسه حتى أخمص قدميه..
    - يا الله يا كريم وأَخيرا..! حَظيت بحفنة حظ، أليست هذه المِحّفظة لقِيَة؟ ولَقِيّة الله حَسَنة..!
    أخيرا... أخيراً سيُمزق شرنقة الفقر ويودعها للأبد...
    ولكنك يا رجل قط لم تُطّعم أولادك مال حرام؟ وأَكيد لن تَجّرؤ على هذا الآن أليّس كذلك؟ ولكنها لِقية ولَقّية الله حسنه!
    ولكن قد يسأل أَحَدَهم عنّها وقد يسّأَلك صاحب الكَراج، ماذا ستُجيبه هيا أخبرني؟
    سأجيبه بكل هدوء وشجاعة إنّها لقية.. ولَقيّة الله حسنة!
    - ألا تخجل من نفسك، وأنت الرَجُل الشَريف الذي دأب كُلَّ حَياته أن يُطعم أولاده لُقمة الحَلال ستتجاسر أن تُطّعمهم الحرام؟ هيا..! اذهب لصاحب الكراج وأعيدها إلَيّه!
     - سحقًا! قط لن أُعيدها إليّه ولا حتى لِأصحابها بعد أن لدغني ناب الفُقر وبعثر احلامي.. اليس المال سادن الرجل وصولجانه في هذا المُجتمع المادي المحض! يرفع الغنيّ ويُقَويه ويَذِل الفقير ويُضّعِفَهُ!
    - ولكن زوّجَتك؟ هل سَتُوافق زوجتك بأن تُطعم أولادك من غير عرق جَبينك؟
    - بالله عليك يا رَجُل لقد نَفَذ صبري من سَذاجَتُك! أنسيت سُخّريتها مني عندما أخّبَرتها يوما..! انّ لُقمة الحلال المغموسة بعرق الجبين لهي أطيب من العَسل وكيف انتهرتني كطفلٍ صغير.. مُعّلنةً أنه سيان عندها إن غُمِست بعرق الجبين أو الكوكا كولا!
    - ما تقوله زوجتي هو عين الصَواب، أنظر لصديقي فلان كيفما سقط ,يسقط واقفا على  قدميه، وثمة احدهم لا تعنيه نزاهة أمواله الطائلة! نحن يا سيّدي في زمن الطاقات لا الشعارات.. وغدا يجب أن أدفع فاتورة الكهرباء وفاتورة الماء ويجب أن أجلب للصغير وصفة الطبيب والحَفّاظات والحليب..
    "هذه المحفظة أصّبحت مُلكي وهي لَقِية.. ألا تفهم؟ هي لقية.. ولقِيّة الله حسنة"..!
    كان يصوغ عناقيد الأمل في طريق عودته لبيته.. وشعر إن قلبه يتدحرج أمامه ليسبقه لزوجته وأولاده؛ الذين سيُعوضهم انشاء الله
    عن كل هذه السنين العِجاف التي كابدوها..
    كان يشعُر بمُنتهى القُوة بعد هذه اللقية الدسمة، صحيح..! أن.. بيت عنكبوت كثير على اللي بموت..! وصحيح أن وجنات أولاده الكرزية تُضاهي مال قارون، ولكن المال يعني القوة والنفوذ والازدهار, ولا يُقارن بالفقر الذي يعني أن تكن تابعا لا متبوعا خادما لا مخدوما.. الفقر اللعين الذي يقيّدنا بسلاسل الضعف والعبودية..
    وهذا المال سيُعيد له رجولته المُتعفنة التي سلبته إياها زوجته سليطة اللسان، وربما سيردم الهوة ويرأب الصدع الذي حفره الفقر بينهما بكفيه الخشنتين!
    غدا يوم إجازته وغدا سيصحبها مع الأولاد للمُجمّع الكبير في المدينة.. وهُناك بجولة واحدة سيرد الصاع صاعين من قريبات زوجته وجاراتِها اللواتي يؤججن صدرها بالأماني الباطلة والأحلام المُزيّفة ويسكبن الزيت على النار!
     تباً لمعشر النساء لا يُقدّرن الرجل إلاّ من خلال حجّمَ محِّفظتِه!
    وهو..! حتما لا يُريد أن يضع عقله في عقل هؤلاء النسوة السطحيات، ولكنه غدا.. سيستعيد كبرِيائه المجروح..
    وغدا سيأخذها والأولاد للمطعم الفاخر في الطابق العلوي والذي يطل على البحر، لطالما تاقت نفسه أن يجلس هناك ساعة من الزمن برفقة عائلته الغالية، وسيطلب لهم كلَّ ما يشتهون من طعوم وسلطات ولن ينسى التحلية من الكونتيدوريا الفخمة المُقابلة للمطعم، وسيطلب من زوجته بأن تُصور كل شيء.. كلّ شيء..! حتى أدق التفاصيل، وترسلها لقريباتها وجاراتها لكي يثبت لهن أنه بمقدوره ان يضع حاتم الطائي بجيبه الصغير طالما معه نقودا..
    وسيمُر بالسوق الشّعبية ليشتري لهم السمك الطازج والموز والتُفاح دون أن يسأل عن السعر. وسيقول لأولاده: اشتروا ما تشتهيه عيونكم أيها الأُمراء الصِغار، طالما..! أنا حيٌ أُرزق لن أقبل أن ينقُصَكُم شيئاً! وطالما هذه المحفظة في حوّزتي، سأشتري لكم كُلَّ شيء، النقود تفعل السّحر أليس كذلك..؟ فملئوا السوق بالضجيج! ثمة بائع لن يجرؤ على انتهاركم بعد اليوم، طالما محفظتي مليئة بالنقود..
    عندما وصل لبيته الحبيب في آخر الزقاق، دلف إلى غُرفة نومه دون أن تشعر زوجته بقدومه، ومن قال أنه يهمها حِضوره أو عدمه وفي كل الأحوال هو لا ينوي أن يخّبرها بأمر المحفظة، بل سيحتفظ بسره في صندوق أسراره الكبير الذي خبّأ فيه الكثير من الأحلام والأسرار والتي لا تعرف زوجته المنكدة عنها شيئا..
    مَدَّ يده المُرتجفة لجيبه الخلفي، كانت ما زالت هُناك تنتظره.. أخرجها بهدوء وتأَملها مليًا وكأنه يُخاطِبُها بمُقلَتيهِ المُتّعبتين:
    - أين كُنت كل هذه السنوات التي أكلت عُمري..؟
    فتَحها ببطء ولكن سُرعان ما شَعَر بِبُركان من السخط والقهر يغلي في أحّشاءِهِ.. عندما أكتشف أنه حُشِرَ؛ بهذه المحفظة السمينة رُزّمَتين من المناديل الوَرقية الناعمة وبطاقة مدرسية عليّها صورة صبيّ لم يتجاوز المرحلة الإعّدادية!
    أغّلقها بِبرود تام.. وبلع ريقهُ بِمَرارة! هو في الأساس لم ينوي أن يطعم أولاده من مال حرام، ولم يتأسف لأنه لم يجد بها نقودا، ولطالما حاول إقناع نفسه، أن غنى النفس بالكفاف فأن طَمِعَتْ..! جميع ما في الأرض لن يكفيها.. ولم يعتب على فُسحة الأمل التي رزمت حَقائبها ورحلت.. ولكنه عَتِبَ كثير العَتَبَ على سهم الحظ الذي كان يزوغ عَنّه طيلة الوقت.. ولكنه هذه المرة أصابَ مِنّه المَقتل..
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: حفنة حظ. بقلم: شهربان معدي. Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top