src=' المعرفة الأدبية : سعيد يقطين - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الأحد، 13 أغسطس، 2017

    المعرفة الأدبية : سعيد يقطين

    استوقفتني عبارة أحد القراء الأعزاء لمقالتي حول «السرد التاريخي» التي جاء فيها: «تكتب أشياء مهمة عن أشياء تافهة». يكمن محل الوقفة في أن العبارة تدخل في باب
    قول النابغة: «ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم..». ومثل هذه العبارات تستدعي قراءات متعددة، لعل أوجزها يتجلى في أنها تأكيد للمدح في صورة ذم، أو ذم على هيئة مدح. لنترك الذم والمدح للشعر والشعراء، ولنحاول البحث في ما تحت العبارة، متصلا بالسرد والتاريخ. لن أطرح على الأخ الفاضل سؤالا عن مكمن الكتابة المهمة، ولكنني سأسأله عن مصدر التفاهة في ما كتبت عن السرد التاريخي؟
    قد يرى بعض القراء والكتاب الذين لا يعانون من القلق المعرفي أن بعض القضايا «بسيطة»، كي لا أقول تافهة، ولا تستدعي أن نكتب عنها أو نطرحها، بله أن نفكر فيها. من حق أي كان أن يرى الأشياء من منظوره الخاص، شريطة ألا ينتقص من منظورات الآخرين، أو يقلل من أهميتها أو قيمتها، إذا لم تظهر له بالصورة التي يريد من خلال إثارة بعض الأشياء. بالنسبة إليّ أتعامل مع الظواهر التي ينشغل بها واقعنا الثقافي والسياسي بطرح الأسئلة، أكثر من العمل على تقديم أجوبة. وهنا مصدر القلق المعرفي. بدون السؤال لا يمكننا أن نفكر، ولا أن نحلل. فما الذي يدفعنا إلى طرح الأسئلة؟ يكمن الجواب عن هذا السؤال في عدم الاقتناع بالطريقة التي يكتب بها، أو تحلل بواسطتها بعض الظواهر التي تبدو لنا بسيطة أو تافهة.
    لقد ألف بول ريكور ثلاثة مجلدات عن علاقة السرد بالتاريخ، من خلال ربطهما بالزمن، إلى جانب كتابه عن الذاكرة والتاريخ والنسيان. وأذكر كتاب ريكور لأنه ترجم إلى العربية، لكنني في ما أقرأه باللغة العربية متصلا بالموضوع لا أجد فيه كتابات مهمة عن أشياء مهمة جدا لا نقدرها حق قدرها، لأن ثقافتنا مبنية على التسطيح والتبسيط.
    لننطلق من الإشكال الأول الذي دفعني إلى الكتابة عن السرد التاريخي، وقبل ذلك عن التخيل التاريخي. إن زميلي عبد الله إبراهيم يقول علينا توظيف التخيل التاريخي بدل الرواية التاريخية؟ يقع مثل هذا الاقتراح في صلب نظرية الأجناس، من جهة، وفي تاريخ الأدب من جهة ثانية. فما هو مبرر هذا الاقتراح الذي يلغي تشكل نوع في الزمن، مع الدعوة إلى حل مشكلة تتعلق بالأجناس عن طريق هذا الاستبدال؟ هذه الأسئلة لا أطرحها فقط على عبد الله إبراهيم وهو يحاول «التنظير» للتخيل التاريخي، ولكن على الروائي العربي أيضا وهو يعتمد في كتابة رواياته على مواد تاريخية؟ عندما يدعي روائي عربي بأنه لا يكتب رواية تاريخية، حتى إن كانت كل مادته الحكائية مستقاة من التاريخ، أسأله ببساطة: ما هو نوع الرواية التي تكتب؟ إن سؤال النوع ليس المقصود منه فقط أن يؤطر النص الروائي في خانة من خانات الأنواع. إنه السؤال الجوهري حول الأدب إن اختيار النوع، معناه اختيار طريقة الكتابة وتحديد تقنياتها وموضوعاتها، ومحتوياتها ومقاصدها. ومن يكتب بلا تصور محدد عن النوع، لا يمكن أن ينتج الميثاق السردي الضروري للتفاعل معه. وتهرب الكاتب من تحديد نوع كتابته، بقدر ما يدل على التحرر من «قواعد» الكتابة، يعني اتجاهه صوب ادعاء قول الشاعر حين أوقفوه على الإقواء: عليّ أن أقول وعليكم أن تتأولوا؟ حين نتأول أن هناك تخيلا تاريخيا، وليست هناك رواية تاريخية، هل سيقبل الروائي العربي هذا التنويع؟ إذا قبله وهو خالي الذهن من أي تصور لهذا «النوع» الذي يكتب فيه الروائيون الغربيون، وهم يعرفون لماذا؟ ووفق أي نوع يكتبون، سيكون هذا الاقتراح قد ورطهم في الكتابة في نوع لا يعرفونه؟ ولم يكتبوا تبعا لمقتضياته.
    التخيل التاريخي نوع سردي عام جدا إذا لم نحدده عن غيره من الأنواع، التي تعتمد في سردها على التاريخ، لا نكون قد قدمنا شيئا جديدا. يمكن أن نجد التخيل التاريخي في السرد المكتوب، وفي المسرح والموسيقى والسينما وغير ذلك. فكيف يتحقق هذا النوع؟ وما خصوصياته؟ إذا استعملناه بهذا الإطلاق ما الجديد الذي يضيفه؟ هذه هي الأسئلة المهمة التي أطرح. بماذا يمكن تمييزه مثلا عن الرواية التاريخية التي تعتمد «التوثيق» الدقيق للمادة المقدمة؟ وعن التي تتهرب من التوثيق، وتمزج بين الوقائع التاريخية وخيال الكاتب الذي يتدخل في إدماج شخصيات غير مرجعية؟ بماذا سيختلف المتخيل التاريخي عن الرواية التاريخية والتاريخ في الرواية؟ وهما معا عن رواية السيرة التاريخية التي تركز على حياة شخصية مرجعية؟ أو متخيلة؟ ماذا يمكن أن نسمي رواية لا علاقة لها بالواقع ولا بأي مرجع تاريخي، ولكن الكاتب يصطنع مادتها من زمان غير زماننا، فنجد أسماء الشخصيات والفضاءات وحتى الأدوات «شبه» تاريخية؟
    إن الأسئلة التي تطرح على «المادة الحكائية» نطرحها على الخطاب والنص، وعلى مقاصد الكاتب؟ إنها الرغبة في تحصيل المعرفة الأدبية وتطوير الفكر الأدبي، وإلا فكتاباتنا تافهة لأن موضوعاتنا غير مهمة.

    ٭ كاتب مغربي
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: المعرفة الأدبية : سعيد يقطين Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top