src=' محمد بلهيسي والبحث عن مسرح بديل في التراث المغربي : محمد الشغروشني - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الأحد، 13 أغسطس، 2017

    محمد بلهيسي والبحث عن مسرح بديل في التراث المغربي : محمد الشغروشني

    يعرف المخرج المسرحي بأنه واهب الحضور للنص الدرامي، ومالئ فراغاته وثقوبه، وصانع فرجاته وعروضه، لذا يظل النص رهين برودة الورق، إلى أن يكسبه المخرج
    حياة في فضاء الركح، ويبعث في أجوائه وأحداثه وصراعه دفئا، فيستنطق كلماته ومعانيه عبر أجساد الممثلين وأصواتهم وإيماءاتهم وحركاتهم؛ ومن ثم وجب الاحتفاء بالمخرج أو مايسترو العرض المسرحي، وتوثيق ذاكرة الإخراج، باعتباره عملا ابداعيا وتقنيا وجماليا ورؤيويا، لا يتم العرض المسرحي بدونه، وإن بدا هذا الأمر أقرب إلى الصعوبة منه إلى المقاربة، بالنظر لزئبقية العرض المسرحي، وتجدده المستمر مع كل ليلة عرض، ومع كل فضاء وجمهور جديدين؛ غير أن هناك في المنجز الإبداعي لكل مخرج سمات أساسية، ما فتئت تترسخ معلنه وجودها، مع كل عمل مسرحي من أعمال مخرج ما، يمكن اتخاذها مدونة لقراءة أسلوبه الإبداعي ورؤيته الإنجازية للعرض المسرحي، وفق توجهاته الفكرية وقناعاته الجمالية.
    وبناء على ذلك، فإن توثيق الذاكرة المسرحية في المغرب، من أهم الواجبات، التي تستدعي قراءة التجارب الدرامية والمسرحية، تأليفا وإخراجا، تلك التجارب التي نهض بها العديد من رواد المسرح المغربي، سواء في مرحلة الهواية أو الاحتراف، وعملوا على مأسستها، وجعلها طقسا ثقافيا وفنيا يمتد في جسد الحواضر والمدن، ومنها مدينة تازة، باعتبارها إحدى منارات المسرح المغربي الحديث، بأيقوناتها وصناع فرجاتها وناسك الركح فيها، الشاعر والمؤلف والمخرج محمد بلهيسي.
    ولأن الكثير من الحواضر المغربية ارتبطت بمثقفيها ومبدعيها، فقد ارتبطت مدينة تازة في الذاكرة الثقافية الحديثة بالمخرج والفنان محمد بلهيسي، كما ارتبط اسمه بها، إلى أن غدت المدينة وناسك مسرحها وجهين لعملة واحدة؛ وبالقدر الذي وهبته مدينته ومسقط رأسه مساحات واسعة للإبداع وإنتاج الجمال، فتحت له سجل تراثها الثقافي العالمي والشعبي، ومنحته فرصا رحبة للنهل من حكاياتها وفرجاتها الشعبية ومخزونها البصري والتشكيلي، عبر النقش والتوريق والمنمنمات ومختلف الصناعات والإبداعات، التشكيلية والحكائية، والقولية والسمعية ممثلة في الأذكار الصوفية والأمداح وأشعار الملحون والسماع، الشيء الذي جعل هذا التراث الغني يبسط ظلالا وارفة في إبداعات محمد بلهيسي الدرامية والمسرحية والزجلية والتشكيلية.
    فعلى مستوى التأليف الدرامي، كتب محمد بلهيسي مجموعة من الأعمال منها، «مقام النور» و«المنسي» و«باب الدنيا» و«سوق المزاد» و«جزيرة الأحلام» و«محاين لبلاد» و«ليلى والراوي والذئب» و«شياطين الحكاية» وغيرها، وهو في كتابته النصية والركحية يكتب بروح الشاعر المبحر في اللغة بحثا عن جواهر الكلم، وأكثرها شفافية وإبلاغية للمعنى المراد، ونظرة الدراماتورج، والمخرج المسرحي الواعي بآليات الاشتغال المسرحي، نصا وإخراجا وعرضا؛ وسواء في النصوص التي ألفها أو التي أخذها من مؤلفين آخرين، أمثال عبد الحق الزروالي ومولاي أحمد العراقي وعبد الكريم برشيد ومحمد الكغاط ومحمد تيمد وعبد السلام لوديي وعبد السلام الحبيب وسعيد الناجي وغيرهم، فقد ظل وما زال ملتزما، بالانحياز الإبداعي للنصوص الأكثر تمثلا لروح الثقافة المغربية بتعدد مشاربها، الأمازيغية والعربية والأندلسية والإفريقية، وإلى جانب إصراره على ارتياد آفاق العمق الثقافي لهذه المساحات الثقافية والفنية، ما انفك يرسخ تواصله مع مختلف الأجيال المسرحية، من مخرجين ومؤلفين وممثلين وتقنيين، ويضع خبراته في سبيل تنشئة جيل مسرحي جديد، سواء من خلال مساهماته في التكوين لفائدة الفاعلين في المسرح المدرسي أو مسرح الطفل أو مسرح الهواة، وقد تخرج على يديه العديد من الفعاليات المسرحية الوازنة في المشهد الثقافي والمسرحي المغربي.
    منذ أواسط الستينيات من القرن العشرين، اشتغل محمد بلهيسي ممثلا متميزا، مع أجيال من المخرجين، سواء الذين سبقوه أو الذين جايلوه، ومنهم الحاج النصيري سنة 1965 ومولاي عبد الرحمن العثماني سنة 1966، ومن بعدهم محمد تيمد والطيب الصديقي وعبد الصمد دينية؛ كما شارك في أعمال تلفزيونية متعددة، لعل من أبرزها مشاركته المتميزة في مسلسلي «ملوك الطوائف» و«ربيع غرناطة» للمخرج السوري حاتم علي؛ وقد أبانت تجاربه في التشخيص للمسرح والتلفزيون، عن حضوره القوي فوق الخشبة وأمام الكاميرا، وإتقانه المتميز للعب الركحي، تصويتا وحركة وتشخيصا وتعبيرا.
    وإذا كان تاريخ المسرح المغربي مدين بمنجزاته لمؤسسة الهواية، باعتبارها المدرسة الأولى التي تخرجت منها أجيال من الكتاب الدراميين والمخرجين المسرحيين والممثلين، الذين أثثوا المشهد الفني مسرحيا وسينمائيا وتلفزيونيا، منذ الستينات من القرن العشرين إلى التسعينيات، زمن إنشاء المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي؛ فإن هذه المؤسسة لعبت دورا أساسيا في بلورة الشخصية الإبداعية والفنية للفنان محمد بلهيسي، بالإضافة إلى اشتغاله مع مخرجين ومؤلفين وممثلين من أجيال ومدارس وتوجهات فنية مختلفة، الشيء الذي مكنه من صياغة تجربته الخاصة وأسلوبه المتميز في الكتابة الدرامية، الذي يقوم على عقد اللقاء بين الشعري والدرامي، انطلاقا من كونه شاعرا وزجالا متميزا، كثيرا ما يمنح أعماله المسرحية وعروضه الركحية، قيمة مضافة بالأزجال التي ينظمها ويلحنها ويصوغها إخراجيا، كمقاطع أساسية في تمفصلات العرض المسرحي.
    ولم يبتعد سجله الإخراجي الحافل عن مراجعه الثقافية عموما والمسرحية خصوصا، فهو دائم البحث في مفردات التراث البصري المغربي، عما يخلق مناخا وفضاء مناسبا لرؤيته الإخراجية، الجامعة بين تقنيات الخشبة بمنظورها العلمي، كما تعلمه قراءة وممارسة وتشبع به من خلال اطلاعه على مختلف المدارس والنظريات الإخراجية العالمية، ومحيطه وما يختزنه من قطع بصرية متعددة الخامات والأشكال والأحجام، التي سيتم تحويلها ركحيا لما يمتع ويبهر، إلى جانب بحثه الدؤوب عن أفضل الطرق لإرسال الملفوظ الحواري المتناسب مع الحالات والوضعيات الدرامية، والطبقات الصوتية المناسبة لتأدية المقاطع الغنائية والإنشادية المدمجة في العرض المسرحي، التي لا تقف عند عتبة إضفاء البعد الجمالي للعرض، بل تتجاوزه إلى الكشف عن تجليات الرؤية الإخراجية للعمل المعروض؛ ولعل مسرحية «سالف لونجة» للكاتب المسرحي عبد الكريم برشيد تمثل دليلا مناسبا لذلك، حيث عمل المخرج محمد بلهيسي على إعطاء الحكاية الشعبية التي تمثل نواة النص الدرامي بعدها الإنساني والكوني، انطلاقا من معرفته العميقة بالتراث الشعبي، واهتمامه بجمعه وتوثيقه، وباعتبار الحكاية الشعبية معطى كونيا، يمكن استثمار مقوماته الموضوعاتية والفنية إلى أبعد الحدود الممكنة، سواء على مستوى الكتابتين الدرامية أو الفرجوية، وإن انحصر الملفوظ اللغوي للحوارات في لغة بعينها، فإن لغة الجسد والإيماء أجهزة تواصل لا تحدها الحروف والكلمات.
    ولم تكن مدرسة الهواية مجالا للاجتهاد والبحث الدائم، وإدمان رياضة العشق الصوفي في العمل المسرحي فحسب، بل كانت بالنسبة لمحمد بلهيسي تمارين وتجارب متواصلة بحثا عن مسرح بديل للمسرح المستورد، الذي ظل حبيس العلبة الإيطالية بإكراهاتها المتعددة؛ ومن ثم فقد عمل هذا المبدع إلى جانب مخرجين آخرين أمثال الطيب الصديقي ومحمد حسن الجندي، على استثمار الفضاءات العامة، كلما سنحت الفرصة لذلك، لإخراج المسرح والفرجة المسرحية من حيزها الضيق إلى فسحة الحياة، كما كانت الفرجات الشعبية المغربية، تتنعم في فضاء الساحات الملحقة بالمدن العتيقة في مراكش وفاس وتازة وغيرها، وحيث تنتفي المسافة بين المرسل والمرسل إليه، وتصبح العلاقة التواصلية بين صانعي الفرجة والحاضرين لها تلاقيا وتفاعلا بالمشاركة، وتلك هي السمة المميزة لألوان من الفنون الشعبية الحكائية ممثلة في الحلقة ومبدعيها من الحكواتيين والرواة وعشاقها ومريديها؛ والرقصات الفلكلورية كأحواش وأحيدوس، التي ينخرط في صناعتها كل الحاضرين لها في أشكال دائرية، تدل على المشاركة والمساواة بين أطياف الراقصين والمشاركين من مختلف الأعمار ومن الجنسين.
    وسيرا على هدي هذه الذاكرة الفنية والجمالية، المليء بالحكي والرقص والإنشاد والإيقاع وتموجات الألوان، أخرج محمد بلهيسي عروضا باذخة في إطار ملاحم وطنية، منها، «ملحمة العروبة» في ليبيا و«ليلة سمر في ضوء القمر» و«حكاية القصبة» و«ملحمة الفرح» وغيرها، وكلها أعمال تنم على كفاءته الفنية والجمالية، القائمة على تحريك الجموع الهائلة من الممثلين والوجوه، والمشتغلة على التاريخ المغربي، واللحظات البارزة فيه حضاريا ودراميا.
    ينتمي محمد بلهيسي إلى حلقة المخرجين الذين لم يشتغلوا بمنطق الحرفة فحسب، ولكن كانوا من المبدعين الذين يحملون موقفا ورؤية، استنادا إلى ثقافتهم الموسوعية، التي شكلت عصاميتهم عصب قوامها، فسعوا بمجهوداتهم الخاصة إلى إتقان مختلف المهن المسرحية، بدءا من تخلق الفكرة وكتابة النص الدرامي، مرورا بتقطيعه التقني وترتيب المشاهد وتصميم السينوغرافيا، ووصولا إلى تدريب الممثلين وإنجاز العرض؛ ومن ثم فإن منجزهم الإبداعي في حاجة إلى دراسات متعددة، للكشف عن الإضافات النوعية للممارسة المسرحية في المغرب والعالم العربي، وقد كان حريا بالمؤسسات الفنية عموما والمسرحية على وجه الخصوص، الاستفادة من خبراتهم وكفاءاتهم الفنية والمهنية، وصلا لجسور التواصل الإبداعي بين الأجيال الفنية، وتكريما لخدماتهم الثقافية والجمالية، التي نالت احتفاء وجوائز في مختلف المحافل المسرحية العربية والدولية.

    ٭ ناقد مسرحي من المغرب
    عن القدس العربي 

    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: محمد بلهيسي والبحث عن مسرح بديل في التراث المغربي : محمد الشغروشني Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top