src=' الجسد الأنثوي والحراك المحلي العربي: في استعادة التواريخ المحجوبة : يحيى بن الوليد - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الخميس، 10 أغسطس، 2017

    الجسد الأنثوي والحراك المحلي العربي: في استعادة التواريخ المحجوبة : يحيى بن الوليد

    في المقاربة: كان من المفهوم، على مستوى الأداء السياسي الميداني العام، في بلدان الحراك العربي، أن يتمّ الانجراف مع الشعار ــ الزلزال: "الشعب يريد إسقاط النظام".وكان مفهوماً، على مستوى التعاطي المقارباتي الغالب، أن يتمّ التشديد على الشعار نفسه الذي كان وراء الحدث التاريخي الذي صنعته الشعوب التي نزلت دون أدنى خوف إلى الشوارع والساحات والميادين... مناديةً بالإصلاح الذي بلغ حدَّ مطلب "إسقاط الأنظمة". وذلك كله، أداءً وتحليلاً، في دلالة على مطمح التطلّع التاريخي إلى "القطيعة السياسية" مع أنظمة تغوّلت إلى حد غير مسبوق في الفساد والاستبداد والطغيان؛ مما جعل منها، في مرآة ومخيال شعوبها، العدو الذي لا يعلو عليه عدو آخر. وحتى الاستعمار من قبل، مقارنة مع الحاكم العربي المتغطرس، كان ــ وإن في حدود ــ قد ميّز بين "الأخضر" و"اليابس" في سياقات الاستحواذ وسياسات الإخضاع وممارسات النهب والاستغلال.
    والظاهر أن مقاربةً من هذا النوع وبطابعها السياسي الحدّي، في حال الحراك العربي تعيينا، وعلى أهميتها التي لا تنكر، لا بد من أن تنأى عن مواضيع قد تبدو من منظور الطرح الفكري العربي القومي بسيطةً أو جانبيةً أو عرَضية... مع أنها قد تبدو من منظور أكاديمي، مغاير، على قدر عالٍ من الأهمية المعرفية؛ إضافة إلى ما تنطوي عليه، من المنظور الأخير، من دلالات جديرة بتفسير جانب ممّا حصل وممّا لا يزال يحصل في سياق الحراك المتواصل حتى الآن في أكثر من بلد عربي رغم سياق الفتور والشكوك المتزايدة التي عادة ما تلي السنوات الأولى بعد الهزّات والأحداث التاريخية الكبرى مثل حدث الاستقلال، والذي لا نعتقد أن هناك حدثاً يوازيه في العالم العربي مثل حدث الحراك الثوري الذي تفجّر أواخر عام 2010.
    وفي هذا الصدد بدا لنا اعتماد مفهوم غير مطروق بالشكل المطلوب ضمن سيل الأبحاث والدراسات... التي عنيت بموضوع الحراك العربي. ونقصد، هنا، إلى موضوع الجسد؛ وعلى وجه التحديد الجسد الأنثوي بالنظر لخلفية "الجندر" (Gender) التي نستند إليها في تدبّر الموضوع رغم أن المفهوم (وبثقله النظري الذي ينبغي التنصيص عليه) يصل ما بين المرأة والرجل معاً حتى لا نسقط في تفسير ميكانيكي تبسيطي يخلّ بعناصر التبادل والتشارك... بين الطرفين (1)؛ مما يجعل من موضوع الجسد، في النظر الأخير، وهو غير المنظور الذي نعتمده، عنواناً عريضاً على المرأة بمفردها في قلاع البحث. وكما أن الفهم التبسيطي، والتحقيري للجسد، يسهم بدوره في هذا الاختزال.
     
    ومن وجهة نظر تاريخية وسوسيولوجية، لا يبدو غريباً في حال الثقافة العربية المعاصرة، كما في حال تعامل هذه الأخيرة مع أغلب المواضيع الحارقة والضاغطة تحت "إرث الضغط الإيديولوجي" كما يصطلح عليه، أن يتمّ الاستناد إلى صنوف محدّدة من التاريخ مثل التاريخ الوضعاني والتاريخ السياسي الوقائعي والتاريخ البيوغرافي... دون اشتغال بصنوف أخرى من التاريخ مثل تاريخ الجنس وتاريخ المتخيّل... وتاريخ الجسد (2).
    وحتى إن كنّا لا نرغب في أن نجعل من المجتمع (بمجالاته المتنوّعة والمختلفة) جسداً ومن الجسد مجتمعا، وفي دلالة حصرية على مفهوم "المجتمع الجسدي" تبعاً للاصطلاح الجامع الذي استحدثه السوسيولوجي براين ترنر (Bryan S Turner)، فإن ذلك لا يحول دون التأكيد على أهمية الموضوع في السياق العربي. وأهمية الموضوع، من ناحية أولى، من منظور التاريخ ذاته وعلى وجه التحديد "التاريخ الآني" الذي يتأطر الحراك العربي داخله... وعلى ما يطول هذا الصنف من التاريخ من قوة هي في الوقت نفسه من ضعفه؛ ذلك أن المؤرّخ الآني، على عكس المؤرّخ، يجهل نهاية الحدث كما يقول المؤرخ والصحافي جان لاكوتور (Jean Lacouture) الذي يعدّ من بين أهم من كتبوا في موضوع التاريخ الآني (3). وأهمية الموضوع أيضا، من ناحية ثانية وغير أخيرة، من انفتاحه، علاوة على التاريخ الاجتماعي، على السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا إلى جانب معارف ونظريات وتخصّصات أخرى. فالجسد موقع بحث وتنظير وتنافس... ثقافات وعلوم وتكنولوجيا وأديان.
    الموضوع شائك ومتفرّد، متشعب وإشكالي، ولا يخلو من صعاب عدّة؛ ونحن، بخصوصه، "لا نملك إلا بعض عناصر الحكاية" كما يقال. وصفوة القول، على مستوى المقاربة التي تهمنا، وعلى نحو ما تفيد موسوعات السوسيولوجيا، أن موضوع الجسد ينبغي أن يحمل على محمل الثقافة وليس الطبيعة (4)؛ بكلام آخر: أن ينظر إليه في ضوء خطاطات "الثقافة والمجتمع" بدلاً من مقولات البيولوجيا الاختزالية. ومن ثم فهو، كما يقول دافيد لوبورتون (David Le Berton)، "مادة لا تنضب للممارسات الاجتماعية، للتمثلات، للمتخيّلات"(5). وعلى الباحث السوسيولوجي الذي يتخذ الجسد كمرجع لأبحاثه، كما يواصل صاحب الكتاب، "أن لا ينسى أبداً التباس وزئبقية موضوعه، وصفته كمحفز على التساؤل أكثر من كونه ضامنا لليقينيات"(6). وهكذا إلى أن نخلص معه إلى أن "الجسد اتجاه بحثي وليس واقعا في حد ذاته"(7). وعندما يؤكد المفكّر والمؤرّخ الهندي ما بعد الكولونيالي ديبيش شاكرابارتي (Dipesh Chakrabarty)، في "صحوة التابع"، على "أن المجتمعات لا توجد كما توجد الموضوعات"(8) فهذا لا ينفي، كما في موضوعنا، إسهام الجسد في تشكيل المجتمع في إطار الثقافة. وحتى بين الثقافات المتماثلة مثل ثقافة شمال أوروبا وجنوبها فإن اختلافات كبيرة في التعامل مع الجسد والجسدية بيّنة للعيان (9). ودافيد لوبورتون (David Le Berton) (الذي أحلنا عليه قبل قليل)، إلى جانب جان ميشال برتلو (L.M.Berttelo)، من أهم من عملوا على تقديم الأساس النظري لسوسيولوجيا الجسد(10).

    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: الجسد الأنثوي والحراك المحلي العربي: في استعادة التواريخ المحجوبة : يحيى بن الوليد Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top