src=' مراكش… حكاية لا تنتهي الشاعر العراقي هاشم شفيق - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الثلاثاء، 15 أغسطس، 2017

    مراكش… حكاية لا تنتهي الشاعر العراقي هاشم شفيق

    ما يميِّز مراكش هو اسمها المنحوت من المغرب «موروكو»، وحجارتها الزهرية، وترابها الماروني، أي الأحمر، وأفقها الكرزيّ الذي لا يشبه أي أفق، فلونه يبعث على الوقوع في الحب والتمرُّغ بتراب الغرام.
    والميزة الثانية هي هذا الخلاء البري الذي يحيطها والمعطر دائماً برائحة الأوراد البريَّة، والأعشاب الهابَّة من النجوع والقرى المحيطة. فهي من جهة تتصل بالصحراء، وعلى مقربة ترى جبال الأطلس، وهي تُتْلع بثلوجها الناصعة مثل ثياب العرس، وقريباً من هذا البر الملطخ بأزهار النسرين والنرجس، ثمة البحر في آسفي، وهو يدعو الأنام البريِّين وسكان الخلوات إلى التقرب منه، فهو قريب، وجار ليس بالبعيد عن مراكش، لمن يرغب في تخليد السواحل في الذاكرة.
    قبل رؤية مراكش قالت لي إحدى الكاتبات المغربيَّات: هل رأيت مراكش، فقلت لها: لا، قالت: كأنك لم ترَ المغرب أبداً. هأنذا أتجوَّل في فتنتها، قابضاً على الجمال بكلتا يديَّ لكي لا أفقده، فهو له طابع السحر واللذة والفرادة، وسعيد هو المرء الذي يكون في لحظة من هذا التاريخ المتدهور وفي فصل قصير من هذا الزمن المنكوب بالمصائب، في قبضة مراكش، أو يكون متأبِّطاً ذراعها وهو يتمشى في هذا السوق أو يجول في تلك القصبة.
    أفتح لوامسي مثل مظلة، ومشاعري مثل بوصلة، وأحاسيسي مثل عصا كي استرشد بالعافية وهي تتدحرج أمامي وتفسح في المجال كي أمر. كان المناخ يميل إلى الدفء حين نزلتها، معي رفيقتي الدائمية، ذات المنزع المدفوع بالوله لمعرفة بواطن البلدان الخالدة. نسير ونتوقف، ها هنا وهناك، بادئين كما يبدأ الآخرون بـ»ساحة الفنا» التي موقعها يتوسط الأسواق والأزقة الضيقة المؤدية الى الماضي السحيق، وهو يقف بكامل هيأته، بين الشرفات والمشربيات والأسوار القديمة والأقواس الحانية، على طعم التراث الأندلسي، هذا التراث الذي تتشرَّبه الحجارة والأخشاب والأعمدة الصلصالية، وأكواز الفخار والأزيار التي تكنز لذة الصنيع من فرائد الطعام المغربي، وسحنته الوطنية.
    لا ينفذ الملال إليك وأنت في مراكش، تجول وتمشي وتصرف الأويقات في الغالي من بدائعها وعطاياها التي تمنحها إليك، وأنت تسير وتتسكع في الضوء المداف بالنعمة الأرضية. ففي «ساحة الفنا» على سبيل المثال، تكون محاطاً بالحكايات، وهي تلتف عليك وتتسلق حسَّك وتاريخك، وتحاول أن تنفذ إلى ذاكرتك لكي تكون هناك بين المحفوظ من الذخائر الزمنية.
    تلك الحكايات هي ليست روايات كنت قد قرأتها، وليست قصصاً مهرَّبة من «ألف ليلة وليلة»، أنتَ هنا أمام ليال لا تنتهي بسهولة، والحكي يسيل من جانب إلى آخر، مثل حنفية مصنوعة من ذهب السرد والمحكي والمقصوص والمنصوص عليه، في الروح ودواخلها، في الأعماق السحيقة للكائن المغربي، المتدثر بالحكايات والقصص والسرود العقيقية المصقولة بفم لا يعرف التوقف، فم مسترسل، أنيس يهوى الكلام، والحكاية والنبش في التفاصيل الخبيئة والمستترة، من الروح المغربي المتفنِّن بحب القصة، وحبكتها ولفِّها بمئة طريقة وطريقة.
    تحت ضوء هذا الفِناء، تقف هناك وسط جمع من الناس، تُصغي وتمدّ الإصغاء، وهو سيكون ليِّناً ومطاطاً في « ساحة الفنا « لكي تستطيع ان تُلمَّ بما يُحكى، وتستطيع أن تجمع خيوط الحكاية، وهي تمتدُّ وتتفرَّع وتتشابك وتُنسج على نول حبيك، هو الصوت المقبل من حاوٍ مسترسل في الكلام، أو حاويةٍ تروي وقائع غرائبية، لجمع متلهِّف للسماع، وغريب أيضاً في وقفته المستفهمة المُصغية، حيث الفاهُ الفاغرُ المطيعُ لجارتِه حاسَّة السمع، تلك التي عليها أنْ تستوعب وتذخر المُقال والمرمي في الساحة.
    ثمة ثعابين ليليَّة لمّاعة تتمايل وترقص، وثمة طبول تدق وتزعق، وثمة نايات تتلوى، ومزامير تُسحر أجساد الأفاعي، وجلودها الجديدة التي ارتدتها قبل المجيء إلى المرقص في «ساحة الفنا».
    هذا كان يحدث غالباً في الليل، فالقص والروي وسرد المحكي من المتخيَّل، لا يأتي إلا في الليل، من ليل شهرزاد وظلام شهريار، أما الأسواق المترعة بالأفاويه، والمقاهي والحارات الضيقة والأسوار والقلاع، فهي من حصَّة الصباحات والظهيرات المائلة إلى شرب القهوة، وتشكيلاتها من «كابتشينو» و»موكا» و»هوت تشوكليت» غير أنني أفضل القهوة التركية، أو الشاي الداكن الفائح برائحة النعناع المغربي، فهو يُحضَّر كأماليد طرية، يأتي مصحوباً بقدح خزفيٍّ، وأحياناً بقدح بلوريّ، لكي ترى الشاي المصحوب بسحابة من البخار الباعث على البهجة، وفي وسطه تسبح الغصون الغضّة، الطرية والمعطرة.
    في شوارع مراكش ترى دائماً العربات التي تجرها الخيول، فهي في هذه المدينة تكون البديل عن سيارة التاكسي، إنها البديل الرومانسي لوسائط النقل الحديثة، بواسطتها سترى كل مراكش، تجلس وكأنك مستغرق في حلم، تجلس في حوض العربة الخشبيّ، المغطى بمظلة واقية، سوداء جلدية وذات مفاصل متحرِّكة، تقي من أشعة الشمس أو من رذاذ المطر، صوت العربة وضربة نعل الخيول بسنابكها الحديد، على إسفلت الشارع تسبغ نوعاً من حركة نغمية على الفضاء الذي أنت دائر فيه، نغم يشعر الدماغ المشغول بالحداثة، بنشوة ماضوية لتاريخ قديم، كان سهلاً وبسيطاً، مثل سوط الحوذي الآن الذي يرفرف في الهواء، ومثل لمعة اللجام المتوامض في فك الخيول، هذه الخيول المزركشة بالقطائف والحبال الصغيرة الملونة، وبالأسرجة الثخينة والأجراس الذهبية الصغيرة التي تتماهى وتتناغم مع إيقاع العربة.

    مقهى التجار
    في مراكش هنالك عالم متنوِّع وحالم ومتعدِّد، من المقاهي المراكشيِّة، المقاهي التي تقدم الحلوى، مثل كعوب الغزال والكعك المغربي المحلى، والزلابية العربية اللماعة، ومشبكاتها، مربعات ومستطيلات، بلون القهرمان، أو شبه قرمزية متخذة اللون الحنِّي، كلما أراها أتذكر بيتاً شعرياً لابن الرومي يمدح جمالها وحلاوتها وطلاوتها السكرية، هذا النمط من الحلوى كنا نجده في المحلات والحواري والمقاهي المعلقة في «ساحة الفنا». أما القهوة و»الكافيه أوليه» فكنا نحتسيها في «مقهى التجار»، وهي من المقاهي الساحرة والنضيرة، تُذكر بالماضي التليد من المقاهي العريقة مثل «البرازيلية» في بغداد و»والمودكا « و»الويمبي» و»الاكسبرس» في بيروت، و»الفيشاوي» في القاهرة و»الهافانا» في دمشق و»مقهى فرنسا» في الدار البيضاء، و»مقهى الكون» في «شارع بورقيبة» في تونس العاصمة. إن تصميم «مقهى التجار» يقيناً هو تصميم هندسي، يرقى إلى يد مصمم عالمي، فمساحة المقهى بواجهتها العريضة وطراز طلتها في ركن من أحد الشوارع الملكية، ونسق عمارتها من حيث الاتساع والاستيعاب وإمكانيات دراسة المناخ وقت الفصول الأربعة، وكيف ستكون بين فصل وآخر هو متوفر فيها.
    للمقهى مظلة من القماش مخططة، كبيرة، تلتف على طول واجهة المقهى الذي سينحرف من جهة اليمين، ليدخل في مطلع من زقاق فرعي بالقرب من المقهى يقع كشك كبير، وعلى الطريقة الفرنسية الراقية، يبيع جميع الصحف العالمية والمجلات والكتب الأكثر رواجاً، من تلك التي تُمتِّع المسافر والسائح الباحث عن الخفيف والقابل للقراءة، في لحظات الارتحال، لغرض التخفُّف من الأعباء الفكرية، والمشاغل الذهنية، والتفكير بالقضايا العميقة.
    شجرة الأركانة والطريق إلى أغادير
    نصحو على جوٍّ دافئ ومشرق، فنقرِّر تغيير اليوم كلياً، فنذهب بعد التسآل، إلى محطة قريبة من النُّزْل الذي نقيم فيه. سرنا على الأقدام قرابة الثلث ساعة، حتى وصلنا إلى محطة القطار، وعلى مرمى خطوات منها، توجد محطة للحافلات الصغيرة والكبيرة، فنيمِّم صوبها لنستقل الحافلة باتجاه أغادير. كانت الحافلة قد انطلقت قبل دقائق قليلة من وصولنا، فأقترح علينا مواطن مغربي، الذهاب بحافلة صغيرة، وبعد أخذ ورد في المحطة وجدنا سيارة تقلنا إلى أغادير، كانت السيارة من فئة الدفع الرباعي وتتميز بمقاعدها المريحة، وحين انطلقت السيارة وكان فيها راكب واحد ذاهب إلى أغادير، جالسا في المقدمة، وضع السائق شريطاً غنائياً في المُسجَّل، ليصدح بعدها صوت عبد الحليم حافظ، وحين انتهت الأغنية وضع أغنية لسيدة الغناء العربي كوكب الشرق أم كلثوم، كانت التفاتة جزلة منه لتكريمنا حين علم أننا، رفيقتي وأنا من المشرق العربي.
    كانت الرحلة رائعة وسائغة، وكنت حينها أقرأ رواية صغيرة بعنوان «اللؤلؤة» لجون شتاينبك، وبين فترة وأخرى أُلقي الكتاب من يدي، لأسرح في جمال البراري والسهول والمنحدرات والسواقي الحلزونية، وهي تلتف ببريقها على قوام شجرة «الأركانة» التي تعد شبه مباركة في المغرب، هذا المغرب الذي مَنَّ الله عليه بهذا الألق الأخاذ من سحر الطبيعة، وكرمها المستتر والمرئي.
    نصل أغادير بعد ساعتين من الوقت ويزيد، يضعنا السائق بين يدي الشاطئ في أغادير، ويمضي، بعد أنْ دلنا على السوق العجائبي فيها. نذرع الساحل الطويل في أغادير، كانت ثمة ريح في ذلك اليوم، نغمس أقدامنا في الشاطئ ونخوض دلالة الملامسة، وجسّ الملح الزيتي الطافي على صفحة الساحل، هذا الساحل، نذرعه من بدايته في أغادير، حتى نصل إلى القصبة، والتل العالي المكتوب عليه، كتابات بالعربية خُطَّتْ بعبارات كبيرة، وضخمة، أقرأ الكلمات الثلاث «الله ـ الوطن ـ الملك». بعد ذلك ننهدُ إلى الشارع الجميل، المرقَّش بسلسلة طويلة، من المطاعم والمقاهي الساحلية، والمخازن المختصَّة ببيع الشؤون المتعلقة بالسباحة. المقاصف هذه فيها شتى أنواع الطعام، الإيطالي والفرنسي والمغربي والصيني والياباني والعربي، وحتى الطعام اللبناني المتميِّز بصنوفه اللذيذة والمتعدِّدة.
    حين أنفقنا القليل من الوقت هناك، عرَّجنا إلى «السوق» المغربية، فهي تلوح لنا من بعيد، بزيِّ بنائها الأندلسي المبني على هيئة قلعة، تصميم السوق على هذه الشاكلة يكفيك أن تزوره لتتملاه من كل جانب، لها عدة مداخل، وفيها تجد ما لذ وطاب، للمخيلة الباحثة عن المعنى، وعن أسرار الجمال.
    رفيقتي تشتري خلطة مغربية خصوصية من بهارات الطعام، فهي متوفِّرة، في هذا السوق المتداخل والمتشابك والمتفرع لأكثر من سبيل ونهج، وتتصارع فيه أيضاً الروائح المثيرة، والمحفِّزة للحواس والخيال، والإبداع في مجال فن الطبخ، وطرقه النافذة، والمتسللة إلى قاع الكائن الجائل، بين تلك الصنوف من المساحيق المكنوزة في القوارير الرقيقة وفي الخوابي المعدنية والخشبية.
    ٭ شاعر عراقي
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: مراكش… حكاية لا تنتهي الشاعر العراقي هاشم شفيق Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top