src=' أبجد هوز … وخفة ظلّ العميد : فاطمة ناعوت - مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

أول مجلة ثقافية مغربية رقمية مستقلة غير ربحية ـ جميع الآراء والمقالات والبلاغات والبيانات والأخبارالثقافية والفنية تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة التحريرــ أنظر(ي) شروط النشرفي أعلى الصفحة
  • اخر الاخبار

    الخميس، 10 أغسطس 2017

    أبجد هوز … وخفة ظلّ العميد : فاطمة ناعوت

    من أشهر أغاني الأفلام المصرية، التي صارت من مأثورات اللسان المصري والعربي، أغنيةٌ كتبها العظيمُ "حسين السيد"، ووضع موسيقاها المرحة، أسطورةُ الموسيقى
    العربية "محمد عبد الوهاب"، الموسيقار المصري الذي عزّ نظيرُه، وشدا بها كلٌّ من الجميلة "ليلى مراد"، وعظيم الكوميتراجيدي "نجيب الريحاني". “أبجد هوز حُطّي كلمُن/ شكل الأستاذ بقا منسجمٌ". ولنا أن نتصوّر عملا يصنعه عظماءُ رفيعو الطراز على هذا المستوى، ثم يُعلّق عليها عظيمٌ آخر عزّ نظيرُه في كل العصور، هو عميدُ الأدب العربي "طه حسين".
    حينما عُرض فيلم "غزَل البنات" عام 1949، وانتشرت تلك الأغنية المرحة وذاع صيتُها؛ سألوا عميدَ الأدب عن رأيه فيها. فأجاب بأنه استملحَ كلمات الأغنية، وراق له لحنُها وصوت المطربة الشابّة ليلى مراد، إلا أن لديه تحفّظًا ما على الكلمات. وحين سُئل عن ذاك التحفّظ، دُهشَ السائلُ. قائل د. طه حسين إن كلمات الأغنية كان يجب أن تكون على هذا النحو: “أبجد هوز حطي كلمُن/ شكل الأستاذ بقا منسجمًا"؛ (وليس منسجمٌ).... لأنه "منسجم" خبر (بقا) بمعنى أصبح، من أخوات كان. كذلك ما قاله الأستاذ "حمام"/ نجيب الريحاني: “بدل المهية راح آخد صرمًا"، (وليس صرمٌ)؛ لأنها مفعول به منصوب.
    وسواءً كان الأستاذ يتكلم بجدية، أم يمزح ربما، لأنه يعلم ضرورات الوزن والقوافي، خصوصًا في أغنية كوميدية كتلك. وسواء كانت "أبجد هوز" هي مقدمة الأبجدية العربية: (أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ) أو أسماء ملوك مَدين أو غير ذلك، لكن الفكرة هنا هي يقظةُ عقل الأديب الذي لا يقبل الهِنات اللغوية والنحوية الصرفية، حتى في أغاني المرح والأفلام الكوميدية. والفكرة الأهم هنا هي خفّة ظل الأديب وسرعة بديهته في التقاط ما غاب عن آخرين.
    ولا يجوز أن نذكر "أبجد هوز" دون أن نتذكّر أغنية "الشيخ إمام" التي كتبها عظيم الأغنية الثورية "أحمد فؤاد نجم" فرحًا بانتصار الفيتناميين وجلاء قوى الاحتلال الأمريكي وسقوط مدينة "سايجن":
    أبجد هوز.. حطي كلمن/ افتح صفحة.. امسك قلمن/ اكتب زي الناس ما بتنطق/ سقطت سايجون رفعوا العلمن/ طلعت شمس اليوم دا أغاني/ كل ما نسمع نعشق تاني/ طلعت شمس اليوم دا حريقة/ تشفي الجرح وتبري القلمن/ سايجون عادت للثوار/ فوق الدم وتحت النار/ جدوا فوجدوا/ زرعوا فحصدوا/ وإحنا إيدينا للسمسار...”
    وعودٌ على بدء، نعودُ لطرائف عميد الأدب العربي د. طه حسين الذي لم يكن يتساهل مطلقًا في صحيح اللغة العربية الفصحى وأجروميتها الصارمة. حكى لي حكّاء مصر العظيم "خيري شلبي" أنه قرّر في بداية حياته أن يكتبَ سيناريو وحوار لرواية: "الأيام" حتى تُذاع مسلسلا في الإذاعة. وكان لابد، أدبيًّا وقانونيًّا، أن يحصل على موافقة كاتب العمل د. طه حسين. ذهب خيري شلبي إلى بيت الأستاذ طه بالزمالك، فرحّب الأستاذُ بالفكرة، شريطةَ أن يكون الحوارُ بين الشخوص فى المسلسل بالعربية الفصحى، وليس بالدارجة المصرية! وأُسقِطَ فى يدِ السيناريست الشاب! كيف سيجعل أبناء الصعيد المصرىّ يتكلمون بالفصحى فى حياتهم اليومية؟ وكان من المستحيل مساومة الأستاذ فى شرطه الصعب فلن يقبل عن الفصحى بديلا، وليس ممكنًا، كذلك، أن يتخلى الشابُّ عن حلمه؛ فالتجأ إلى دهاء الفنان وذكاء المصرىّ؛ وكتب الحوار على النسق الذى يتَّسِقُ فصحًى ودارجةً فى آن؛ بحيث إن قرأه على الأستاذ مُنضّدًا، ظنّه فصحى؛ وهو عامية على ألسن الشخوص! مثلا: "معى جوابٌ، أَحْلِفُ بالله لو شَافَهُ مخلوقٌ لَرُحْتُ في داهية"، هكذا سيقرؤها خيرى شلبى على الأستاذ طه حسين، لانتزاع موافقته بالحيلة الجميلة. بينما فى المسلسل سينطقها عبد الوارث عسر، بتسكين نهايات الكلمات، مثلما نحن فى دارجتنا المصرية اليومية، مع تلوين اللسان باللكنة الصعيدية: “معي چواب أحلفْ بالْله لو شافهْ مخلوجْ لرُحتْ فـ داهية".

    عاشت مصر بعظمائها.
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: أبجد هوز … وخفة ظلّ العميد : فاطمة ناعوت Rating: 5 Reviewed By: ueimag
    Scroll to Top